الجمعة، 28 يونيو 2019

قوله‏:‏ ‏{‏ألم تعلم أن اللّه على كل شيء قدير* ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير‏}‏ يرشد عباده تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء ويشقي من يشاء، ويوفق من يشاء ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ‏{‏لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏}‏ويختبر عباده بالنسخ فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا وترك ما عنه زجروا، وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنها اللّه في دعوى إستحالة النسخ إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه اللّه‏:‏ فتأويل الآية‏:‏ ألم تعلم يا محمد أن لي ملء السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذ أشاء، وأقر فيهما ما أشاء، ثم قال‏:‏ وهذا الخبر وإن كان خطاباً من اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود، الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند اللّه بتغيير ما غيَّر اللّه من حكم التوراة، فأخبرهم اللّه أن له ملك السماوات وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه‏.‏
قلت ‏:‏ الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام اللّه تعالى، لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانا ثم نسخ حلَّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحاً لإسرائيل وبنيه وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده ثم نسخه قبل الفعل، وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه‏.‏ ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ رداً على اليهود عليهم لعنة اللّه حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض‏}‏ الآية فكما أن له الملك بلا منازع فكذلك له الحكم بما يشاء ‏{‏ألا له الخلق والأمر‏}‏‏.‏
والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام اللّه تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة وكلهم قال بوقوعه، وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسِّر‏:‏ لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله ضعيفٌ مردود مرذول، وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول، لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الأثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وغير ذلك ‏"‏انظر بحث النسخ في تفسيرنا [1]‏"‏روائع البيان‏"‏، الجزء الأول، ص 109‏"‏، واللّه أعلم‏.‏
 رقم الآية ‏(‏108‏)‏
نهى اللّه تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي عن الأشياء قبل كونها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم‏}‏ أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرَّم من أجل تلك المسألة، ولهذاجاء في الصحيح‏:‏ ‏(‏إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحُرِّم من أجل مسألته‏)‏‏.‏ وثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال‏.‏ وفي صحيح مسلم‏:‏‏(‏ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم‏.‏ فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه‏)‏‏.‏ وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن اللّه كتب عليهم الحج فقال رجل‏:‏ أكلَّ عام يا رسول اللّه‏؟‏ فسكت عنه رسول اللّه ثلاثاً، ثم قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏ذروني ما تركتكم‏)‏ الحديث‏.‏ ولهذا قال أنس بن مالك‏:‏ نهينا أن نسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع‏.‏ وعن ابن عباس قال‏:‏ ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن ‏{‏يسألونك عن الخمر والميسر - و - يسألونك عن الشهر الحرام - ويسألونك عن اليتامى‏}‏ ‏"‏رواه البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس‏"‏يعني هذا وأشباهه‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل‏}‏ أي بل تريدون أو هي على بابها في الاستفهام وهو إنكاري وهو يعمّ المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يسألك أهل الكتاب أن تنزِّل عليهم كتاباً من السماء‏}‏ عن ابن عباس قال‏:‏ قال رافع بن حرملة ووهب بن زيد‏:‏ يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك، فأنزل اللّه من قولهم‏:‏ ‏{‏أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل‏؟‏ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل‏}‏ ‏"‏أخرجه محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس‏"‏
وقال مجاهد‏:‏ سألت قريش محمداً صلى اللّه عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، قال‏:‏ ‏(‏نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل‏)‏ فأبوا ورجعوا، والمراد أن اللّه ذم من سأل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن شيء على وجه التعنت والاقتراح كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنتاً وتكذيباً وعناداً‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يتبدل الكفر بالإيمان‏}‏ أي ومن يشترِ الكفر بالإيمان ‏{‏فقد ضل سواء السبيل‏}‏ أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة اللّه كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار‏}‏‏.‏
 رقم الآية ‏(‏109 ‏:‏ 110‏)‏
يُحذِّر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو أو الإحتمال حتى يأتي أمر اللّه من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وبحثهم على ذلك ويرغبهم فيه كما قال ابن عباس‏:‏ كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود العرب حسداً، إذ خصهم اللّه برسوله صلى اللّه عليه وسلم، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل اللّه فيهما‏:‏ ‏{‏ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم‏}‏ الأية‏.‏ روي أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي صلى اللّه عليه وسلم وفيه أنزل اللّه‏:‏ ‏{‏ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فاعفوا واصفحوا‏}‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق‏}‏ يقول من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئاً، ولكن الحسد حملهم على الجحود فعيَّرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة وشرع لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل اللّه عليهم وما أنزل من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته له‏.‏ وقال الربيع بن أنَس ‏{‏من عند أنفسهم‏}‏ من قِبَل أنفسهم، وقال أبو العالية‏:‏ ‏{‏من بعد ما تبين لهم الحق‏}‏ من بعد ما تبين أن محمداً رسول اللّه يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل فكفروا به حسداً وبغياً‏.‏
قال ابن عباس في قوله ‏{‏فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللّه بأمره‏}‏ نسخ ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏، وقوله‏:‏ قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر‏}‏، وكذا قال أبو العالية وقتادة والسدي‏:‏ إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضاً قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يأتي الله بأمره‏}‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله‏}‏ يحثهم تعالى على الإشتغال بما ينفعهم، وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكَّن لهم اللّه النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد‏.‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله بما تعملون بصير‏}‏ يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه سواء كان خيراً أو شراً فإنه سيجازي كل عامل بعمله‏.‏ وقال ابن جرير في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه بما تعملون بصير‏}‏ هذا الخبر من اللّه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سراً وعلانية فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء فيجزيهم بالإحسان خيراً وبالإساءة مثلها، وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج فإن فيه وعداً ووعيداً، وأمراً وزجراً وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدّوا في طاعته إذ كان مذخوراً لهم عنده حتى يثيبهم عليه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله‏}‏ وليحذروا معصيته‏.‏ قال وأما قوله ‏{‏بصير‏}‏ فإنه مبصر صرف إلى بصر كما صرف مبدع إلى بديع و مؤلم إلى أليم، واللّه أعلم‏.‏
 رقم الآية ‏(‏111 ‏:‏ 113‏)‏
يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها فأكذبهم اللّه تعالى كما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة ‏{‏تلك أمانيهم‏}‏ قال أبو العالية‏:‏ أمانيّ تمنوها على اللّه بغير حق، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي يا محمد ‏{‏هاتوا برهانكم‏}‏ أي حجتكم ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ أي فيما تدعونه‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏بلى من أسلم وجهه للّه وهو محسن‏}‏ أي من أخلص العمل للّه وحده لا شريك له، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي للّه ومن اتبعن‏}‏ الآية‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏بلى من أسلم‏}‏ أخلص ‏{‏وجهه‏}‏ قال‏:‏ دينه ‏{‏وهو محسن‏}‏ أي اتبع فيه الرسول صلى اللّه عليه وسلم، فإنَّ للعمل المتقبل شرطين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يكون خالصاً للّه وحده، والآخر أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل، ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ‏"‏رواه مسلم من حديث عائشة مرفوعا‏"‏‏)‏ فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه للّه - فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعاً للرسول صلى اللّه عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية‏}‏ وروي عن أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي، وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد للّه فهو أيضاً مردود على فاعله وهذا حال المرائين والمنافقين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون اللّه إلا قليلاً‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً‏}‏ وقال في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏ ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور وآمنهم مما يخافونه من المحذور ‏{‏لا خوف عليهم‏}‏ فيما يستقبلونه، ‏{‏ولا هم يحزنون‏}‏ على ما مضى مما يتركونه‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب‏}‏ بيَّن به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم، كما قال محمد بن إسحاق عن ابن عباس‏:‏ لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رافع بن حرملة‏:‏ ما أنتم على شيء وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود‏:‏ ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل اللّه في ذلك من قولهما‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب‏}‏ قال‏:‏ إن كلاّ يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أن يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ اللّه عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى وما جاء من التوراة من عند اللّه وكل يكفر بما في يد صاحبه‏.‏ وهذا القول يقتضي أن كلاً من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهم يتلون الكتاب‏}‏ أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عناداً وكفراً ومقابلة للفاسد بالفاسد وقوله‏:‏ ‏{‏كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم‏}‏ بيَّن بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من القول وهذا من باب الإيماء والإشارة، وقد اختلف فيمن عنى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين لا يعلمون‏}‏ قال ابن جريج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ مَن هؤلاء الذين لا يعلمون‏؟‏ قال‏:‏ أُمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل، وقال السُّدي‏:‏ ‏{‏كذلك قال الذين لا يعلمون‏}‏ هم العرب قالوا ليس محمد على شيء، واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع وليس ثَمَّ دليل قاطع يعين واحداً من هذه الأقوال والحمل على الجميع أولى، واللّه أعلم‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏ أي أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا والذن هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركون إن اللّه يفصل بينهم يوم القيامة إن اللّه على كل شيء شهيد‏}‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم‏}‏‏.‏
 رقم الآية ‏(‏114‏)‏
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد اللّه وسعوا في خرابها على قولين‏:‏ أحدهما‏:‏ هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس ويمنعون الناس أن يصلوا فيه‏.‏ قال قتادة‏:‏ أولئك أعداء اللّه النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس‏.‏ وقال السُّدي‏:‏ كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه وأمر أن يطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا‏.‏ القول الثاني‏:‏ ما رواه ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الحديبية وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم وقال لهم‏:‏ ‏(‏ما كان أحد يصد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده‏)‏ فقالوا‏:‏ لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏وسعى في خرابها‏}‏ عن ابن عباس أن قريشاً منعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏ومن أظلم ممن منع مساجدالله أن يذكر فيها اسمه‏}‏ ثم اختار ابن جرير القول الأول واحتج بأن قريشاً لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس‏.‏ قلت‏:‏ والذي يظهر - واللّه أعلم - القول الثاني كما قاله ابن زيد فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذي أخرجوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشاً لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا‏؟‏ أخرجوا عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما لهم ألا يعذبهم اللّه وهم يصدون عن المسجد الحرام‏}‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله‏}‏ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر اللّه فيها وفي إقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين‏}‏ هذا خبر معناه الطلب أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية، ولهذا لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادي برحاب مِنى‏:‏ ‏(‏ألا يحجنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنَّ بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته‏)‏، وقال بعضهم‏:‏ ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائض من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلاً أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها‏.‏ والمعنى‏:‏ ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم، وقيل‏:‏ إن هذا بشارة من اللّه للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم، وقد أنجز اللّه هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها وللّه الحمد والمنة، وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث اللّه فيها رسوله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً صلوات اللّه وسلامه عليه، وهذا هو الخزي لهم في الدنيا لأن الجزاء من جنس العمل فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صُدُّوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أُجلوا عنها ‏{‏ولهم في الآخرة عذاب عظيم‏}‏ على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير اللّه عنده، والطواف به عرياً وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها اللّه ورسوله، وأما من فسر بيت المقدس فقال كعب الأحبار إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه، فلما بعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم أنزل عليه‏:‏ ‏{‏ومن أظلم ممن منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين‏}‏ الآية فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفاً، وقال قتادة‏:‏ لا يدخلون المساجد إلا مسارقة‏.‏
 رقم الآية ‏(‏115‏)‏
وهذا واللّه أعلم فيه تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلّي بمكّة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ثم صرفه اللّه إلى الكعبة بعد، ولهذا يقول تعالى‏:‏‏{‏ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثَمَّ وجه اللّه‏}‏ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال‏:‏ كان أول ما نسخ من القرآن القبلة‏.‏ وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أهلها اليهود أمره اللّه أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فولوا وجوهكم شطره‏}‏ فارتاب من ذلك اليهود وقالوا‏:‏ ‏{‏ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏}‏ فأنزل اللّه ‏{‏قل للّه المشرق والمغرب‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏فأينما تولوا فثم وجه اللّه‏}‏ وقال عكرمة‏:‏ عن ابن عباس ‏{‏فأينما تولوا فثم وجه اللّه‏}‏ قال‏:‏ قبلة اللّه أينما توجهت شرقاً أو غرباً، وقال‏:‏ مجاهد ‏{‏فأينما تولوا فثم وجه اللّه‏}‏ حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ وقال آخرون‏:‏ بل أنزل اللّه هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه أن له التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنه لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلوا منه مكان كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا‏}‏ قالوا‏:‏ ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال، وفي قوله‏:‏ وأنه تعالى لا يخلوا منه مكان؛ إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإنَّ علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً‏.‏
وقال آخرون‏:‏ بل نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذناً من اللّه أن يصلي المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب في سفره لما روى عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الآية‏:‏ ‏{‏فأينما تولوا فثم وجه اللّه ‏}‏‏"‏رواه مسلم والترمذي والنسائي‏"‏
وقال آخرون‏:‏ بل نزلت هذه الآي في قوم عميت عليه القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلُّو على أنحاء مختلفة، فقال اللّه تعالى‏:‏ لي المشارق والمغارب، فأين وليتم وجوهكم فهناك وجهي وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية، لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال‏:‏ كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلىغير القبلة، فقلنا‏:‏ يا رسول اللّه لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله‏}‏ ‏"‏رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن وليس إسناده بذاك‏"‏الآية
عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث سرية فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدثوه فأنزل اللّه تعالى هذه الآية‏:‏ ‏{‏ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله‏}‏ ‏"‏رواه ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وفيه ضعف‏"‏
قال بن جرير‏:‏ ويحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم‏.‏ قال مجاهد‏:‏ لما نزلت ‏{‏ادعوني أستجب لكم‏}‏ قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ فنزلت‏{‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏}‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏إن الله واسع عليم‏}‏ يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال، وأما قوله‏:‏ ‏{‏عليم‏}‏ فإنه يعن عليم بأعمالهم ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه بل هو بجميعها عليم‏.‏
 رقم الآية ‏(‏116 ‏:‏ 117‏)‏
اشتملت هذه الآية الكريمة والتي تليها على الرد على النصارى عليهم لعائن اللّه وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات اللّه، فأكذب اللّه جميعهم في دعواهم وقولهم إن للّه ولداً فقال تعالى ‏{‏سبحانه‏}‏ أي تعالى وتقدّس وتنزَّه عن ذلك علواً كبيراً‏:‏ ‏{‏بل له ما في السموات والأرض‏}‏ أي ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم وهو خالقهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخِّرهم ومسيّرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولداً من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له فكيف يكون له ولد‏؟‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدّاً‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏}‏، فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد‏؟‏ ولهذا قال البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏قال اللّه تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله إن لي ولداً، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً‏)‏ وفي الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم‏)‏‏.‏
وقوله ‏{‏كل له قانتون‏}‏ مقرّون له بالعبودية‏.‏ وقال السدي‏:‏ أي مطيعون يوم القيامة، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏كل له قانتون‏}‏ مطيعون‏.‏ قال‏:‏ طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره، وهذا القول - وهو اختيار ابن جرير - يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت الطاعة والاستكانة إلى اللّه وهو شرعي وقدري كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لله يسجد من في السموات ومن في الأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال‏}‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بديع السماوات والأرض‏}‏ أي خالقهما على غير مثال سبق وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث بدعة كما جاء في صحيح مسلم ‏(‏ فإن كل محدثة بدعة‏)‏ والبدعة على قسمين‏:‏ تارة تكون بدعة شرعية، كقوله‏:‏ ‏(‏فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة‏)‏، وتارة تكون بدعة لغوية كقول أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم‏:‏ ‏(‏نعمت البدعة هذه‏)‏ وقال ابن جرير‏:‏ ‏{‏بديع السماوات والأرض‏}‏ مبدعهما وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فعيل كما صرف المؤلم إلى الأليم، ومعنى المبدع المنشىء والمحدث مالا يسبقه إلى أنشاء مثله وإحداثه أحد‏.‏ قال‏:‏ ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعاً لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ فمعنى الكلام‏:‏ سبحان اللّه أن يكون له ولد وهو مالك ما في السماوات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلامٌ من اللّه لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى اللّه بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السماوات والأرض من غير أصل وعلى غير مثلا، هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته، وهذا من ابن جرير رحمه اللّه كلام جيد وعبارة صحيحة‏.‏
وقوله تعالى ‏{‏وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون‏}‏ يبيّن بذلك كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدّر أمراً وأراد كونه فإنما يقول له ‏{‏كن‏}‏ أي مرة واحدة ‏{‏فيكون‏}‏ أي فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر‏}‏، وقال الشاعر‏:‏
إذا ما أراد اللّه أمراً فإنما * يقول له كن قولة فيكون
 رقم الآية ‏(‏118‏)‏
قال ابن عباس‏:‏ قال رافع بن حرملة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ يا محمد إن كنت رسولاً من اللّه كما تقول، فقل للّه فيكلمنا حتى نسمع كلامه‏.‏ فأنزل اللّه في ذلك من قوله‏:‏ ‏{‏وقال الذي لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية‏}‏ ‏"‏أخرجه محمد بن إسحاق عن ابن عباس‏"‏وقال مجاهد‏:‏ النصارى تقوله، وقال قتادة والسُّدي‏:‏ هذا قول كفّار العرب، ‏{‏كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم‏}‏ قال‏:‏ هم اليهود والنصارى، ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا‏}‏ الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به إنما هو الكفر والمعاندة كما قال من قبلهم من الأُمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تشابهت قلوبهم‏}‏ أي اشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به‏}‏‏؟‏ الآية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد بينا الآيات لقوم يوقنون‏}‏ أي قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر، وزيادة أُخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما جاءوا به عن اللّه تبارك وتعالى، وأما من ختم اللّه على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فأولئك قال اللّه فيهم‏:‏ ‏{‏إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم‏}‏‏.‏
 رقم الآية ‏(‏119‏)
عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏بشيراً بالجنة ونذيراً من النار‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تسأل عن أصحاب الجحيم‏}‏ قراءة أكثرهم ‏{‏ولا تسأل‏}‏ بضم التاء على الخبر، وفي قراءة ابن مسعود ‏{‏ولا تسأل‏}‏ عن أصحاب الجحيم أي لا نسألك عن كفر من كفر بك، كقوله‏:‏ ‏{‏فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب‏}‏‏.‏
عن عطاء بن يسار قال‏:‏ لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقلت‏:‏ أخبرني عن صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في التوراة فقال‏:‏ أجل واللّه إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزاً للأميين؛ أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً‏"‏رواه البخاري وأحمد‏"‏
 رقم الآية ‏(‏120 ‏:‏ 121‏)
قال ابن جرير‏:‏ يعني بقوله جلّ ثناؤه‏:‏ ‏{‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم‏}‏ وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم وأقبل على طلب رضا اللّه في دعائهم إلى ما بعثك اللّه به من الحق‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إن هدى الله هو الهدى‏}‏ أي قل يا محمد إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل ‏{‏ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير‏}‏ فيه تهديد شديد ووعيد للأمة في اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعدما علموا من القرآن والسنّة - عياذاً باللّه من ذلك - فإن الخطاب مع الرسول والأمر لأمته، وقد استدل كثير من الفقهاء بقول‏:‏ ‏{‏حتى تتبع ملتهم‏}‏ حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكم دينكم ولي دين‏}‏، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفّار، وكلٌ منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا لأنهم كلهم ملة واحدة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته‏}‏، قال قتادة‏:‏ هم اليهود والنصارى واختاره ابن جرير، وقال سعيد عن قتادة‏:‏ هم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال ابن مسعود‏:‏ والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله اللّه ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله، وقال الحسن البصري‏:‏ يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه‏.‏ وقال سفيان الثوري عن عبد اللّه بن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏يتلونه حق تلاوته‏}‏ يتبعونه حق اتباعه‏.‏ وقال أبو موسى الأشعري‏:‏ من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، وعن عمر بن الخطاب‏:‏ هم الذين إذا مروا بآيى رحمة سألوها من اللّه، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها‏.‏ قال‏:‏ وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أولئك يؤمنون به‏}‏ خبر، أي من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم‏}‏ الآية‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم‏}‏، أي إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ونعته وصفته، والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل‏}‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم‏؟‏ فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ واللّه بصير بالعباد‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يكفر به من الأحزاب فأنار موعده‏}‏ وفي الصحيح‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏‏.‏
 رقم الآية ‏(‏122 ‏:‏ 123‏)‏
قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكررت ههنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعته واسمه وأمره وأُمته فحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة اللّه عليهم من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم اللّه من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه والحيد عن موافقته، صلوات اللّه وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين‏.‏
 رقم الآية ‏(‏124‏)‏
يقول تعالى منبِّهاً على شرف إبراهيم خليلة عليه السلام، وأن اللّه تعالى جعله إماماً للناس يقتدى به في التوحيد، حين قام به كلّفه اللّه تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات‏}‏ أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذي ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها‏.‏‏.‏ اذكر لهؤلاء ابتلاء اللّه إبراهيم أي اختاره لهم بما كلفه به من الأوامر والنواهي ‏{‏فأتمهن‏}‏ أي قام بهن كلهن كما قالت تعالى ‏{‏وإبراهيم الذي وفَّى‏}‏ أي وفَّى جميع ما شرع له فعمل به صلوات اللّه عليه‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن ابراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفا ولم يك من المشركين* شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين‏}‏‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏بكلمات‏}‏ أي بشرائع وأوامر ونواه، ‏{‏فأتمهن‏}‏ أي قام بهن، قال‏:‏ ‏{‏إني جاعلك للناس إماماً‏}‏ أي جزاء على ما فعل كما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله اللّه للناس قدوة وإماماً يقتدى به ويحتذى حذوه‏.‏
وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر اللّه بها إبراهيم الخليل عليه السلام، فروي عن ابن عباس قال‏:‏ ابتلاه اللّه بالمناسك، وروي عنه قال‏:‏ ابتلاه بالطهارة خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد، في الرأس‏:‏ قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وفي الجسد‏:‏ تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء‏.‏ وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الفطرة خمس‏:‏ الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط‏)‏‏.‏
وقال عكرمة عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهن‏}‏، قلت له‏:‏ وما الكلمات التي ابتلى اللّه إبراهيم بهن فأتمهن‏؟‏ قال‏:‏ الإسلام ثلاثون سهماً منها عشر آيات في براءة‏:‏ ‏{‏التائبون العابدون‏}‏ إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ وعشر آيات من الأحزاب‏:‏ ‏{‏إن المسلمين والمسلمات‏}‏ إلى آخر الآية فأتمهن كلهم فكتبت له براءة‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال‏:‏ الكلمات التي ابتلى اللّه بهن إبراهيم فأتمهن‏:‏ فراق قومه في اللّه حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في اللّه حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في اللّه على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من ووطنه وبلاده في اللّه حين أمره بالخروج عنهم، وما أمر به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من اللّه كله وأخلصه للبلاء قال اللّه له‏:‏ ‏{‏أسلم قال أسلمت لرب العالمينْ‏}‏ على ما كان من خلاف الناس وفراقهم‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ كان الحسن يقول‏:‏ إي واللّه، لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى اللّه، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك، وابتلاه بذبح ابنه، والختان فصبر على ذلك‏.‏ وعن الربيع بن أنس قال‏:‏ الكلمات إني جاعلك للناس إماما‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏وإذ يرفع إبراهيم القوعد من البيت وإسماعيل‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم‏.‏ وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول‏:‏ إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب‏.‏ فلما رأى الشيب قال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ وقار، قال‏:‏ يا رب زدني وقاراً‏.‏
قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله‏:‏ إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجاز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع‏.‏ قال‏:‏ ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له‏.‏ ولما جعل الله إبراهيم إماماً سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمةً فلا يقتدى بهم ‏{‏قال ومن ذريَّتي، قال لا ينالُ عهدي الظالمين‏}‏، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت‏:‏ ‏{‏وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب‏}‏ فكل نبي أرسله اللّه، وكل كتاب أنزل الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات اللّه وسلامه عليه، وأما قوله تعالى ‏{‏قال لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ فقد اختلفوا في ذلك فقال مجاهد‏:‏ لا يكون إمام ظالم يقتدى به‏.‏‏,‏ وعنه قال‏:‏ أما من كان منهم صالحاً فأجعله إماماً يقتدى به، وأما من كان ظالماً فلا ولا نعمة عين‏.‏ وعن ابن عباس قال، قال اللّه لإبراهيم‏:‏ إني جاعلك للناس إماماً، قال‏:‏ ومن ذريتي، فأبى أن يفعل، ثم قال ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ وروي عن قتادة في قوله ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ قال‏:‏ لا ينال عهدُ اللّه في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به وأكل وعاش وقال الربيع بن أنس‏:‏ عهدُ اللّه الذي عهد إلى عباده دينهُ، يقول‏:‏ لا ينال دينه الظالمين ألا ترى أنه قال‏:‏ ‏{‏وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين‏}‏ يقول ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق‏.‏ وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏لا طاعة إلا في المعروف‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن مردويه عن علي بن ابي طالب مرفوعاً‏"‏وقال السُّدي ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏‏:‏ يقول عهدي نبوتي‏.‏ فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير‏.‏ وقال ابن خويز منداد‏:‏ الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً‏.‏
فر بها إلا الفاسقون ‏.‏ أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ‏.‏ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ‏.‏ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ‏.‏ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ‏}
قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أنزلنا إليك آيات بينات‏}‏ الآية‏.‏ أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالاّت على نبوّتك، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب اللّه من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع اللّه في كتابه الذي أنزله على نبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه، ولم يدعها إلى هلاكها الحسدُ والبغيُ‏.‏ عن ابن عباس قال‏:‏ قال ابن صوريا القطويني لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل اللّه عليك من آية بينة فنتبعك، فأنزل اللّه في ذلك‏:‏ ‏{‏ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون‏}‏ وقال مالك بن الصيف حين بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكَّرهم ما أُخذ عليهم من الميثاق، وما عُهد إليهم في محمد صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏واللّه ما عهد إلينا في محمد، وما أُخذ علينا ميثاقٌ، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم‏} وقال الحسن البصري في قوله‏:‏ ‏{‏بل أكثرهم لا يؤمنون‏}‏ قال‏:‏ نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غداً، وقال السدي‏:‏ لا يؤمنون بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏نبذه فريق منهم‏}‏ أي نقضه فريق منهم‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ - وهو التمر والزبيب - إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود الدؤلي‏:‏
نظرتَ إلى عنوانه فنبذتَه * كنبذك نعلاً أخلقتْ من نعالكا
قلت‏:‏ فالقوم ذمهم اللّه بنبذهم العهود التي تقدم اللّه إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل‏}‏، وقال ههنا‏:‏ ‏{‏ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم‏}‏ الآية، أي طرح طائفة منهم كتاب اللّه الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وراء ظهورهم، أي تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها وأقبلوا على تعلم السحر واتّباعه، ولهذا أرادوا كيداً برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسحروه في مُشْط ومُشَاقه وجُفّ طلعة ذَكَرٍ تحت راعوفة ببئر أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له لبيد بن الأعصم لعنه اللّه وقبحه، فأطلع اللّه على ذلك رسوله صلى اللّه عليه وسلم وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطاً في الصحيحين كما سيأتي بيانه‏.‏
قال السدي‏:‏ ‏{‏ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم‏}‏ قال‏:‏ لما جاءهم محمد صلى اللّه عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏كأنهم لا يعلمون‏}‏ وقال قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏كأنهم لا يعلمون‏}‏ قال‏:‏ إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به‏.‏ عن ابن عباس قال‏:‏ كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الإسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل بها‏.‏ قال‏:‏ فأكفره جهال الناس وسبُّوه، ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس يسبّونه حتى أنزل اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا‏}‏ وقال السدي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان‏}‏ أي على عهد سليمان، قال‏:‏ كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنوا من الكرسي إلا احترق، وقال‏:‏ لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه‏.‏
فلما مات سليمان وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفراً من بني إسرائيل فقال لهم‏:‏ هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً ‏"‏أي لا ينفد بالأكل منه‏"‏قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فاحفروا تحت الكرسي، فذهب معهم وأراهم المكان وقام ناحيته، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوهها قال الشيطان‏:‏ إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر ثم ذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، واتخذت بنوا إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم خاصموه بها فذلك حين يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا‏}‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه فدنت إلى الإنس فقالوا لهم‏:‏ أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخّر به الشياطين والرياح وغير ذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قالوا‏:‏ فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستخرجوه وعملوا به، فأنزل اللّه تعالى على نبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم براءة سليمان عليه السلام، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا‏}‏ لما ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما نزل عليه من اللّه سليمان بن داودوعدّه فيمن عد من المرسلين، قال مَن كان بالمدينة من اليهود‏:‏ ألا تعجبون من محمد‏؟‏ يزعم أن ابن داود كان نبياً واللّه ما كان إلا ساحراً، وأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا‏}‏ الآية‏.‏
وروي أنه لما مات سليمان عليه السلام قام إبليس - لعنه اللّه - خطيباً فقال‏:‏ يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبياً إنما كان ساحراً فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته، ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا‏:‏ واللّه لقد كان سليمان ساحراً، هذا سحرهُ بهذا تعَّبدنا وبهذا قهرنا، فقال المؤمنون‏:‏ بل كان نبياً مؤمناً‏.‏ فلما بعث اللّه النبي محمداً صلى اللّه عليه وسلم وذكر داود وسليمان، فقالت اليهود‏:‏ انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحراً يركب الريح، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان‏}‏ ‏"‏رواه ابن جرير عن شهر بن حوشب‏"‏الآية‏.‏ فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان‏}‏ أي واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب اللّه الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ما تتلوه الشياطين أي ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك سليمان، وعدّاه بعلى لأنه تضمن ‏{‏تتلو‏}‏ تكذب‏.‏
وقال ابن جرير‏:‏ ‏{‏على‏}‏ ههنا بمعنى في، أي تتلو في ملك سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق قلت والتضمن أحسن وأولى، واللّه أعلم وقول الحسن البصري رحمه اللّه‏:‏ - وكان السحر قبل زمن سليمان - صحيحٌ لا شك فيه، لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام وسليمان بن داود بعده كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى‏}‏ الآية ثم ذكر القصة بعدها، وفيها‏:‏ ‏{‏وقتل داود جالوت وآتاه اللّه الملك والحكمة‏}‏ وقال قوم صالح - وهم قبل ابراهيم الخليل عليه السلام - لنبيهم صالح إنما ‏{‏أنت من المسحَّرين‏}‏ أي المسحورين على المشهور، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أنزل على الملكين بباب هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفره فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه‏}‏اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن ما نافية أعني التي في قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزل على الملكين‏}‏ قال القرطبي‏:‏ ما نافية ومعطوف على قوله ‏{‏وما كفر سليمان‏}‏ ثم قال ‏{‏ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين‏}‏، وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم اللّه وجعل قوله ‏{‏هاروت وماروت‏}‏ بدلاً من الشياطين، قال‏:‏ وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الإثنين كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كان له إخوة‏}‏ أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما‏.‏ تقدير الكلام عنده‏:‏ يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، ثم قال‏:‏ وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه‏.‏
وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزل على الملكين ببابل‏}‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ لم ينزل اللّه السحر، وبإسناده عن الربيع بن أنَس في قوله ‏{‏وما أنزل على الملكين‏}‏ قال‏:‏ ما أنزل اللّه عليهما السحر‏.‏ قال ابن جرير‏.‏ فتأويل الآية على هذا واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر وما كفر سليمان ولا أنزل اللّه السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت‏.‏ فيكون قوله ‏{‏ببابل هاروت وماروت‏}‏ من المؤخر الذي معناه المقدم قال‏:‏ فإن قال لنا قائل‏:‏ كيف وجه تقديم ذلك‏؟‏ قيل‏:‏ وجه تقديمه أن يقال‏:‏ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر وما كفر سليمان وما أنزل اللّه السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن اللّه أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم اللّه بذلك وأخبر نبيّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما
هاروت واسم الآخر ماروت فيكون هاروت وماروت علىهذا التأويل ترجمة عن الناس ورداً عليهم‏.‏ ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول وإن ما بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما اللّه إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختباراً لعباده وامتحاناً بعد أن بيَّن لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جداً، وأغرب منه قوله من زعم أن ‏{‏هاروت وماروت‏}‏ قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم‏.‏
وقد روي في قصة هاروت و ماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنَس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم وقصَّها خلق من المفسِّرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده اللّه تعالى، واللّه أعلم بحقيقة الحال
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر‏}‏، عن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية‏:‏ نعم أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي اراد اللّه أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهم الميثاق أن لا يعلما أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة‏:‏ أي بلاء ابتلينا به فلا تكفر‏.‏ وقال ابن جرير في هذه الآية‏:‏ لا يجترىء على السحر إلا كافر‏.‏ وأما الفتنة فيه المحنة والأختبار، ومنه قول الشاعر‏:‏
وقد فتن الناس في دينهم * وخلى ابن عفان شراً طويلا
ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏}‏
وكذلك قوله تعالى إخباراً عن موسى عليه السلام حيث قال‏:‏ ‏{‏إن هي إلا فتنتك‏}‏ أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر واستشهد له بالحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم ‏)‏ ‏"‏رواه البزار بسند صحيح‏"‏وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه‏}‏ أي فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر، ما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والإئتلاف، وهذا من صنيع الشياطين كما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول‏:‏ ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس‏:‏ لا واللّه ما صنعت شيئاً‏!‏ ويجيء أحدهم فيقول‏:‏ ما تركته حتى فرّقت بينه وبين أهله، قال‏:‏ فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول‏:‏ نعم أنت ‏"‏رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه‏"‏ وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلق أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله‏}‏ قال سفيان الثوري‏:‏ إلا بقضاء اللّه، وقال الحسن البصري‏:‏ من شاء اللّه سلطهم عليه ومن لم يشأ اللّه لم يسلط، ولا يستطيعون من أحد إلا بإذن اللّه وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم‏}‏ أي يضرهم في دينهم وليس له نفع يوازي ضرره ‏{‏ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق‏}‏ أي ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن عباس من نصيب، ‏{‏ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون‏}‏ يقول تعالى ‏{‏ولبئس‏}‏ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم علم بما وعظوا به ‏{‏ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير‏}‏ أي ولو أنهم آمنوا باللّه ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة اللّه على ذلك خيراً لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللّه خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقَّاها إلا الصابرون‏}‏‏.‏
وقد استدل بقوله‏:‏ ‏{‏ولو أنهم آمنوا واتقوا‏}‏ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد ابن حنبل وطائفة من السلف، وقيل‏:‏ بل لا يكفر ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول‏:‏ كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال‏:‏ فقتلنا ثلاث سواحر ‏"‏رواه البخاري من صحيحه‏"‏وصح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت، قال الإمام أحمد ابن حنبل‏:‏ صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم في قتل الساحر، وروى الترمذي عن جندب الأزدي أنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏حد الساحر ضربه بالسيف‏)‏‏"‏رواه الترمذي عن جندب الأزدي مرفوعاً وقال‏:‏ لا نعرفه مرفوعاً ألا من هذا الوجه‏"‏وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عُقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس‏:‏ سبحان اللّه يحيي الموتى‏!‏‏!‏ ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملاً على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال‏:‏ إنْ كان صادقاً فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفتاتون السحر وأنتم تبصرون‏}‏ فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، واللّه أعلم‏.‏ وحمل الشافعي رحمه اللّه قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركاً، واللّه أعلم‏.‏
 فصل
حكى الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال‏:‏ وربما كفَّروا من اعتقد وجوده، وأما أهل السنّة فقد جوّزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، إلا أنهم قالوا‏:‏ إن اللّه يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا، خلافاً للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استُدل على وقوع السحر، وأنه بخلق اللّه تعالى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله‏}‏‏.‏ ومن الأخبار بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سُحِرَ وأن السحر عمل فيه، وبقصة المرأة مع عائشة رضي اللّه عنها، وما ذكرت من إتيانها بابل وتعلمها السحر‏.‏
ثم قد ذكر أبو عبد اللّه الرازي أن  أنواع السحر ثمانية  الأول‏:‏ سحر الكذابين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة وهي السيارة وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم وأنها تأتي بالخير والشر وهم الذين بعث اللّه إليهم ابراهيم الخليل مبطلاً لمقالتهم وراداً لمذهبهم‏.‏
و النوع الثاني‏:‏ سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدوداً على نهر أو نحوه، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام، وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق لما ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين‏)‏‏.‏
و النوع الثالث من السحر‏:‏ الاستعانة بالأرواح الأرضية وهم الجن خلافاً للفلاسفة والمعتزلة وهم على قسمين‏:‏ مؤمنون، وكفار وهم الشياطين، قال‏:‏ واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الإتصال بهذه الأرواح الأرضيه يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير‏.‏
 النوع الرابع من السحر‏:‏ التخيلات، والأخذ بالعيون، والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطىء ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جداً، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله‏.‏
قلت وقد قال بعض المفسِّرين‏:‏ إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب بالشعبذة ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يخَيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى‏}‏ قالوا‏:‏ ولم تكن تسعى في نفس الأمر، واللّه أعلم‏.‏
 النوع الخامس من السحر‏:‏ الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان حتى يصورنها ضاحكة ‏؟‏‏؟‏ إلى أن قال‏:‏ فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل، قال‏:‏ وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل، ‏؟‏‏؟‏ ما قاله بعض المفسرين‏:‏ إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقاً فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها، ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على الطعام منهم، وأما الخواص فهم معترفون بذلك ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم فيرون ذلك سائغاً لهم‏.‏
 النوع السادس من السحر‏:‏ الاستعانة بخواص الأدوية في الأطعمة والدهانات، قال‏:‏ واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير المغناطيس مشاهد‏.‏ قلت يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعياً أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات‏.‏
 النوع السابع من السحر‏:‏ التعليق للقلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الإسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخالفة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء‏.‏ قلت‏:‏ هذا النمط يقال له التّنْبلة وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي عِلْم الفِراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان النبيل حاذقاً في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره‏.‏
 النوع الثامن من السحر‏:‏ السعي بالنميمة من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس قلت النميمة على قسمين‏:‏ تارةً تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين، أو على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏الحرب خدعة‏)‏ وإنما يحذوا على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة واللّه المستعان‏.‏
ثم قال الرازي فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه، قلت‏:‏ وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏إن من البيان لسحراً‏)‏، وسمي السحور لكونه يقع خفياً آخر الليل، والسَّحْرُ‏:‏ الرئة، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة‏:‏ انتفخ سَحْره، أي انتفخت رئته من الخوف وقالت عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين سَحْري ونحري‏.‏
وقال القرطبي‏:‏ وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة، يخلق اللّه عنده ما يشاء، خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا‏:‏ إنه تمويه وتخيل، قال‏:‏ ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، ومنه ما يكون كلاماً يحفظ ورقى من أسماء اللّه تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك، قال‏:‏ وقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إن من البيان لسحراً‏)‏ يحتمل أن يكون مدحاً كما تقوله طائفة ويحتمل أن يكون ذماً للبلاغة، قال‏:‏ وهذا أصح، قال‏:‏ لأنها تصوّب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له‏)‏ الحديث‏.‏
 فصل
واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد‏:‏ يكفر بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي رحمه اللّه‏:‏ إذا تعلم السحر قلنا له‏:‏ صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر‏.‏ فأما إن قتل بسحره إنساناً فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم إلا الشافعي فإنه قال‏:‏ يقتل والحالة هذه فصاصاً، قال‏:‏ وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته‏؟‏ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم‏:‏ لا تقبل، وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى تقبل، وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم، وقال مالك وأحمد والشافعي‏:‏ لا يقتل لقصة لبيد بن الأعصم ، واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل ولكن تحبس، وقال الثلاثة حكمها حكم الرجل واللّه أعلم‏.‏
 مسْألة
وهل يسأل الساحر حلاً لسحره‏؟‏ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال الشعبي‏:‏ لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت‏:‏ يا رسول اللّه هلا تنشرت، فقال‏:‏ ‏(‏أمَّا اللّه فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شراً‏)‏ وحكى القرطبي عن وهب‏:‏ أنه قال يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته قلت ‏:‏ أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل اللّه على رسوله في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما‏)‏ وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان‏.‏
 رقم الآية ‏(‏104 ‏:‏ 105‏)‏

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

الشخصية

وعى تزعل
لما حد يظلمك قول قدر الله وماشاء فعل
مش يمكن ده ابتلاء من عند ربنا عشان يقولك
متخفش أنا جنبك وأوعى تفكر أنه هيسيب
حقك ده يمهل ولا يهمل
ابتسم واطمن وقل الحمد لله 💙
الله لا يخذل عبداً لجأ إليه.. فلا تظن أن كل ابتلاء عقاب وكره بل درس ومحبة
حينما يمرض من نحب، نقول: ( ابتلاء ) وحينما يمرض من لا نحب نقول: عقوبة “إحذر من توزيع أقدار الله على هواك”
حتشوف حاجات كتير ابتلاء في حياتك لين ما تجي لحظه العوض، ووقتها حتعرف ربنا قد ايش كريم♥️
ﻣﻦ ﻋﺠﺎﺋﺐ ﺍﻟﺘﺪﺑّﺮ ﺃﻥّ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ،
 ﻗﺎﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﻴﻪ "ﺷِﻔﺎﺀ" ،
 ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻞ ﺩﻭﺍﺀ ؟!
ﻷﻥَّ ﺍﻟﺪﻭﺍﺀ ﻗﺪ ﻳﺸﻔﻲ ﻭ ﻗﺪ ﻻﻳﺸﻔِﻲ
ﻭ ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﻬﻮ ﺷﻔﺎﺀٌ
 ﻟﻜﻞ ﺩﺍﺀ ﻭ ﺑﺮﺍﺀٌ ﻣﻦ ﻛﻞّ ﺍﺑﺘﻼﺀ!!!
"ادعُ الله ليلاً نهاراً أن يردَّك إليه رداً جميلاً، فإنه إنْ فعل وسيفعلُ يقيناً بكرمه- ؛ فسيرُدُّك إليه من حيث لا تشعر، بلا ابتلاءٍ ولا مصيبة، إنما بلطفه ؛ فيرُدُّك من غفلتك إليه بآية تسمعُها، أو بحديث تقرؤه، بهذا الدعاء يأبَى الله أن يردَّك إليه بشيء تكرهُه"❤
ليس بالضرورة ان يكون اذى الناس لك ابتلاء فقد تكون انت من اهل الاحسان وانت لاتدري
فلا ينال مرتبة الاحسان الا أنقياء القلوب..
كل ألم أو ابتلاء في حياتك هو هدية ربانية
إما تكفير لذنوب، أو سعادة مؤجلة لدار البقاء .. 
هوخيرا لك  فاصبر واحتسب  ..🍃
لحظه  المرض إنها لحظه عجز الأنسان  وضعفه وإنكساره وهو إبتلاء من الله سبحانه ليمتحن صبر ه وما يدور في تفكيره لحظتها حكمه الله  بذالك أن جعل المرض موعظه وتقرب الى الله ومؤشرات حب الله لعبده أن إبتلاه وذكره وأيقظه من الغفله ثم يكشف الضر عنه ويجمع له مابين الأجر والعافيه ،
أتعس النساء إمرأة ضحت بنصف عمرها لإرضاء رجل أحبته حد الجنون ،ثم قضت النصف الأخر محاولة نسيان الرجل نفسه.....


  الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا … أما بعد:
فإن المتأمل في واقع حياة الناس يجد لكل منهم شخصية مختلفة عن غيره ، ولكل منهم أسلوبه في التعامل مع الآخرين فهذا يبتعد عن مواجهة الآخرين خوفاً من الانتقادات المتوقعة ،وهذا يستعطف الآخرين بالمبالغة في إظهار المعاناة ، وهذا يلقي بأخطائه على الآخرين ...الخ ، وقد تحدث مشكلة من أحد الطلاب أو سلوكاً غريباً،  فنستغرب هذه التصرفات و ربما نتعامل معها بأسلوب خاطئ ، ولكن لو تعرفنا على أنواع الشخصيات وصفاتها، استطعنا أن نحللها ونتعامل معها بالطريقة المناسبة ؛ فمثلاً وقعت مشكلة من شخص ذا شخصية مرتابة (سيئة الظن) فعلينا أولاً أن نعرف صفات هذه الشخصية ثم بعد ذلك سنخرج بالتوصيات التالية:1. لابد أن تكون صريحاً وواضحاً معه ولا تبالغ في ذلك لأنه ربما يفسر تصرفك بغير الذي تقصد. 2.إذا احتجت إلى محاورته فاستعد بالأدلة المقنعة والحجج القوية مع الحذر من إسقاطاته. 3.لا تواجهه بعنف فينفجر! 4.إذا لم ينفع معه المواجهة الكلامية فاستخدم أسلوب المكاتبة...الخ .

وكذلك لو أردت أن تضع شخصاً لعمل أو لجنة تحتاج إلى نوع من التضحية والبذل والإيثار وخدمة الآخرين فعليك بصاحب الشخصية المستسلمة الخ...
وإن مما دفعني لكتابة هذا البحث أني وجدت عدداً من الطلاب الذين تحصل منهم مشكلات كبيرة ومتشعبة في المحاظن التربوية؛ غالباً ما تكون شخصياتهم معلولة، فلذلك يحتاجون إلى معاملة خاصة، مبنية على تصور دقيق لنوع الشخصية، وكيفية التعامل معها –وهم قلة ولله الحمد- ولكنهم يؤثرون على مسيرة العمل، ويأخذون فكر المربي ووقته!.
بالإضافة إلى أن الداعية والمربي يجدر به أن يتعرف على أنواع الشخصيات وصفاتها؛ ليستطيع أن يؤثر في الناس بأقواله وأفعاله وتصرفاته فيعرف ماهي النقاط التي يتأثر بها المدعو فيركز عليها ويوظفها فيما ينفع ، وينتبه للأساليب التي ربما تنفر المدعو فيبتعد عنها.

عليه أخلص إلى أهمية معرفة الشخصيات وصفاتها خصوصاً الشخصيات التي يكثر وجودها في مجتمعنا .. وما هذا البحث إلى خطوة لجمع وتوضيح أهم أنواع الشخصيات التي تهم المربي لأداء مهمته على الوجه المطلوب، وقد حرصت على الاختصار قدر الإمكان ، والتركيز على ما يهم مراعياً سهولة الأسلوب والتوضيح بالأمثلة.

وقد استفدت كثيراً من كتاب ما تحت الأقنعة للدكتور محمد بن عبد الله الصغير –حفظه الله ورعاه- فهو مناسب لغير المتخصص وأسلوبه واضح ، وكذلك كتاب علم النفس الدعوي للدكتور عبد العزيز بن محمد النغيمشي ، ومجموعة من المراجع والمقالات.
أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يجعلنا مباركين أينما كنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.


مدخل إلى علم الشخصيات:

1. تعريف الشخصية والمراد بها.
2. أهم العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية.
3. علامات اعتلال الشخصية (نستطيع من خلالها أن نميز نوع الشخصية).
4. ما هي الشخصية السوية (التي ينبغي أن نكون عليها).
5. رسم بياني يوضح ذلك.
6. وقفات.

أولاً: تعريف الشخصية
تعدد المعرفون للفظ ( الشخصية ) حتى وصلوا إلى 50 تعريفاً ، وأقربها التعريف الآتي :
(هي مجموع الخصال والطباع المتنوعة الموجودة في كيان الشخص باستمرار ، والتي تميزه عن غيره وتنعكس على تفاعله مع البيئة من حوله بما فيها من أشخاص ومواقف ، سواء في فهمه وإدراكه أم في مشاعره وسلوكه وتصرفاته ومظهره الخارجي ، ويضاف إلى ذلك القيم و الميول والرغبات والمواهب والأفكار والتصورات الشخصية).
فالشخصية إذاً لا تقتصر على المظهر الخارجي للفرد ولا على الصفات النفسية الداخلية أو التصرفات والسلوكيات المتنوعة التي يقوم بها وإنما هي نظام متكامل من هذه الأمور مجتمعة مع بعضها ويؤثر بعضها في بعض مما يعطي طابعاً محدداً للكيان المعنوي للشخص.

ثانياً: أهم العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية
هذه بعض العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية و التي ينبغي الإلتفات إليها ومراعاتها لما لها من دور في معرفة شخصية الفرد وفهم صفاتها وتقويمها وكيفية التعامل معها :
1. الوراثة: فلها دور في إكساب الشخص بعض الصفات التي تؤثر في تكوين الشخصية ( العجلة ، البرود ،  الكرم ، الجدية ، الدعابة ، ..)
2. الخلقة: فقد أوضحت الدراسات الطبية أن في الدماغ العديد من المراكز الحيوية التي تحكم وتدير العديد من العمليات العقلية والنفسية (التفكير،المشاعر،الإدراك،السلوك..) مما له أثر كبير في تكوين الشخصية.
3. الأسرة وأساليب التنشئة: للأسرة دور كبير في النمو النفسي في المراحل المبكرة في حياة الإنسان لأنها البيئة الأولى التي ترعى البذرة الإنسانية بعد الولادة ومنها يكتسب الطفل الكثير من الخبرات والمعلومات والسلوكيات والمهارات والقدرات التي تؤثر في نموه النفسي إيجاباً أو سلبا حسب نوعيتها وكميتها , وهي التي تشكل عجينة أخلاقه في مراحلها الأولى .
والاستقرار الأسري له دور كبير في ذلك فكلما كانت الأسرة أكثر استقراراً صار الفرد فيها أكثر أمناً وطمأنينة وثقة في نفسه... والعكس بالعكس.
وموقع الفرد في الأسرة له أهميته المؤثرة في تكوين الشخصية (الولد الأكبر- الولد الأصغر- الابن الوحيد بين البنات) . وكذلك أسلوب تربية الوالدين لها أثر كبير على شخصية الابن (دلال زائد – شدة زائدة - ...)
4. المؤثرات الثقافية و الاجتماعية: مثل:(المعلومات–العادات–الأعراف–التقاليد–القيم–المعتقدات ..).
  ويجدر التنبيه إلى أن المنهج التربوي الإسلامي يغير في صفات وسمات الأفراد تغييراً جذرياً وإن كانوا كباراً ، عبر الحركة والفعل فتحول بعضهم من الشدة إلى اللين ، ومن السطحية إلى العمق ، ومن الفردية إلى الجماعية ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن الغضب إلى الحلم ، ومن العجلة إلى التأني ، إضافة إلى أن المنهج الإسلامي في التربية يراعي الاستعدادات الأصلية ، والفروق الفردية.
ثالثاً: علامات اعتلال الشخصية
هناك عدد من العلامات العامة والخاصة الدالة على اعتلال الشخصية،فالعامة تدل على وجود علة ما في الشخصية  والخاصة تحدد بمجموعها نوع اضطراب الشخصية (مرتابة-اعتمادية-انطوائية).
العلامات العامة:
1. إشكالات كثيرة ومتكررة في التعامل مع الآخرين والتفاهم معهم (كالوالدين والأولاد والإخوة و الأخوات والأقارب والجيران وزملاء المدرسة أو العمل ...).
2. صعوبات متكررة في التكيف مع الضغوط النفسية وضعف القدرة على مواجهة الأزمات والمشكلات (في البيت أو المدرسة أو العمل ...).
3. خلل بارز في ضبط المزاج والعواطف أو في كميتها أو كيفيتها (برود في العواطف ، سرعة جيشان العاطفة، تقلب مفاجئ في المزاج ...).
4. أخطاء بارزة ومستمرة في طريق الفهم والتفكير والاستدلال والاستنتاج و التصورات الذهنية ، ليست بسبب تخلف عقلي أو مرض عقلي طارئ (كالفصام العقلي ونحوه).
5. خلل بارز في التصرفات والسلوك في النوع أو الكم (تصرفات غير لائقة اجتماعياً أو دينياً ، اندفاع في التصرف دون تفكير مسبق ، إحجام شديد ...).
6. الإفراط في استعمال الحيل النفسية واللجوء إليها كثيراً والاعتماد عليها في مواجهة المشكلات.
وليس بالضرورة أن توجد العلامات العامة كلها مجتمعة في شخص واحد بل قد لا يوجد فيه سوى نصفها مما هو بارز ظاهر في شخصية الفرد وكفيل بإدخاله دائرة الاعتلال النفسي في كيان الشخصية.
العلامات الخاصة:
لكل نوع من اضطرابات الشخصية ما يميزه ويحدده من العلامات الخاصة ، فمثلاً :
 الشخصية سيئة الظن يغلب عليها الشك في الآخرين والريبة الزائدة والحذر من الناس .
 الشخصية المخادعة يغلب عليها النفاق الاجتماعي و المراوغة وضعف الضمير .
 الشخصية الاعتمادية يغلب علها الركون إلى غيرها والاستناد إلى الدعم الخارجي والقلق عند فقده .
 الشخصية التجنبية يغلب عليها خشية انتقادات الآخرين وتفاديها وتحاشي الاختلاط بالآخرين لأجل ذلك .
 وغير ذلك من العلل والعلامات مما سيأتي لاحقاً –بإذن الله- .

رابعاً: ما هي الشخصية السوية (التي ينبغي أن نكون عليها).
يندر أن يوجد على الأرض حاضراً أو مستقبلاً شخص سوي تام السواء في صفاته وطباعه كلها ، كما قيل:
من لك بالمهذب الندب الذي       لا يجد العيب إليه مختطى
وروي عن سعيد بن مسيب قوله : ( ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله).
وإليك أخي المبارك بعض المعايير والضوابط التي تبين صفات الشخصية السوية :
1. التوازن في تلبية المطالب بين الجسد والروح :
وهي تعني أن الإنسان السوي هو الذي يلبي نداءات الروح والجسد على حد سواء وأن الشذوذ والانحراف يمكن أن يوجد عند إشباع الروح على حساب الجسد أو العكس.
2. الفطرية :
 وتعني انسجام السلوك مع السنن الفطرية التي فطر الله الناس عليها ، فالسلوك كلما تطابق مع الفطرة أو أقترب منها كان سوياً وكلما ابتعد عنها كان شاذاً ، ومن ذلك إيمان الإنسان بوحدانية الله وهو أمر فطري ، والشرك هو الشذوذ قال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله).
3. الوسطية:
 وهي خيرية السلوك وفضيلته ، أو هي توازن في أداء السلوك ذاته بين الإفراط والتفريط ، فالإنفاق يكون بين الإسراف والتقتير ، والعلاقة بالله تكون بين الخوف والرجاء ، والاتجاه إلى أحد الطرفين يعد شذوذاً ، قال تعالى: ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ).
4. الاجتماعية:
وهي وجود الإنسان في وسط اجتماعي ، وتجاوبه السلوكي مع هذا الوسط ، وقدرته على إقامت العلاقة الإنسانية مع الآخرين . ولهذه السمة ارتباط وثيق بالسمة الثانية فالإنسان اجتماعي بفطرته والاتجاه إلى الفردية أو العزلة بدون سبب ملجئ يعد شذوذاً.
5. المصداقية:
وهي الصدق مع الذات ومع الناس ، وتطابق ظاهر الإنسان مع باطنه ، وكلما اختلف ظاهر الإنسان عن باطنه كلما كان شاذاً وازدوجت شخصيته ، وهو النفاق وقد عده القران مرضاً قال تعالى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين . يخادعون الله و الذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون).
6. الإنتاجية:
وهي اتجاه الإنسان إلى العمل وتحمل المسؤولية بحدود قدراته ، فالعمل أو الإنجاز يعد ركناً مهماً في سواء الإنسان وصحته النفسية ، بينما تؤدي البطالة والسلبية إلى الانحراف أو الشذوذ.


خامساً: رسم يبين موقع الشخصية السوية والشخصيات المعتلة:














+    -



يوضح الشكل السابق أن الأصل في الشخصية السوية هي الوسط فإذا زادت الصفة عن حدها أو نقصت أصبح الإنسان معلول الشخصية ، فالإنسان يجب أن يكون فطناً في تعامله مع الناس بدون إساءة ظن أو توجس (الشخصية السوية)، فإذا أصبح يشك في الآخرين ويتوجس منهم بدون سبب واضح كان مريضاً (الشخصية المرتابة) ، وإذا كان يثق في جميع الناس ثقةً عمياء فهو كذلك مريض (الشخصية الساذجة) وهكذا في جميع الصفات...






سادساً: وقفات.
1. أغلب الناس أسوياء ذو شخصيات سليمة و يجب أن يكون هذا نصب أعيننا دائماً قال تعالى (ونفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها).
2. لا يشخص اعتلال الشخصية دون سن الثامنة عشر (ويرى بعض الباحثين تأجيله إلى ما بعد سن الحادية والعشرين) حيث إن فترة المراهقة يصحبها العديد من التقلبات المزاجية والسلوكية والفكرية.
3. لابد من توفر العلامات الكافية للتشخيص وأن يكون لها طابع الاستمرار أو التواجد الغالب في صفات الشخص خلال فترة زمنية كافية بعد فترة المراهقة.
4. ألا تكون تلك العلامات مرتبطة بمواقف محددة أو أشخاص معينين أو مكان مخصص وإنما هي مرتبطة بتكوين الشخص وبنائه النفسي.
5. أن يكون تقويم تلك الاعتلالات والحكم عليها مستند إلى المصداقية المناسبة من حيث المعلومات الوافية مع الوثوق بمصدرها ولاسيما في حالات الخلافات الشخصية إذ من الخطأ الاعتماد على رأي أحد المتخاصمين في معرفة صفات خصمه فقلما يكون منصفاً في ذلك.
6. أحياناً قد يكون الشخص متسماً بشخصية معينة، ويصاحبها صفات أخرى من شخصيات متعددة.

مفاتيح للاستفادة من البحث:

1. أجعل من الأقارب والمعارف مدرسة في فهم النفسيات ، فإذا استطعت أن تربط كل شخصية برجل تعرفه وقارنت بين الصفات المذكورة والصفات الموجودة في الرجل فستكون أقرب للفهم و أرسخ في الذهن.
2. أبدأ أولاً في قراءة تعريف الصفة ثم أمثلتها، وبعد ذلك حاول أن تستنتج أبرز الصفات التي تتوقعها في هذه الصفة (واكتبها)، وبعد ذلك أقرأ الصفات المكتوبة ثم كيفية التعامل معها ومجالات نجاحها.
3.  أسأل نفسك : ما هي الفائدة التي تود أن تجنيها من قراءتك للشخصيات وصفاتها؟!!
وإليك بعض الفوائد:
- القدرة على التعامل مع الآخرين بالأسلوب المناسب.
- القدرة على حل المشاكل بالطريقة الصحيحة.
- القدرة على معرفة الشخصيات وتحليلها.
- وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.





أنواع الشخصيات

أولاً: الشخصية المرتابة

-  من أسمائها :
  الشكاكة أو سيئة الظن.

المراد بها :
 من الناس من فيه علة في شخصيته مدارها حول الإفراط و المبالغة في إساءة الظن والشك في الآخرين و اليقظة والحذر منهم وهؤلاء في درجات متفاوتة من حيث شدة العلة فيهم ؛فقد تكون في بعضهم علة خفيفة (سوء ظن يسير) وفي آخرين علة شديدة تكفي لتشخيصهم بأن لديهم اضطراباً في الشخصية وهو اضطراب الشك والريبة.

أمثلتها:
1. علي شخص معروف بين زملائه بالمجادلة والمراء والعناد فهو لا يعترف بأخطائه وقلما يحترم الطرف المقابل ، كان ذاهباً ذات مرة مع بعض أصدقائه في رحلة برية وبينما هم في السيارة يستمعون بإنشاد أحد الشعراء الشعبيين في شريط كاسيت إذ قال الشاعر :
المجادل لا تطاوله الجدال      يتعبك لو كان ما عنده دليل
لو تحاول تقنعونه بأي حال      مستحيل يستمع لك مستحيل
فقال ناصر : ((هذا أنت يا علي)) أي : (قول الشاعر ينطبق عليك) فثارت ثائرة علي وغضب غضباً شديداً وأخذ يقذف سباً وشتماً شمل به ناصر وصاحب السيارة والذي اقترح الرحلة والشاعر الذي قال تلك الأبيات وقال للجميع: (أنتم عاملينها علي مؤامرة هالرحلة علشان أسمع هالأبيات لكن والله .....)
2. سامي شاب مراهق يملك سيارة فارهة يحب أن ينافس بها أقرانه ويشعر بالتفوق عليهم وإذا شاهد أحد زملائه في سيارة أفضل من سيارته أخذ يغتابه ويتهمه بأنه ما قصد من شرائه تلك السيارة إلا أن يهينه ويأخذ منه الأصدقاء.

صفاتها:
1. تغليب سوء الظن في معظم الأوقات ومع معظم الأشخاص في أقوالهم وأفعالهم دون أن يكون لذلك ما يدعمه من الواقع وإنما بسبب علة في الشخص نفسه وقد يزيد سوء الظن إذا كان هناك ما يثيره ولو بدرجة يسيرة.
2. المبالغة في الحذر والترقب والتوجس والحيطة من الناس مع عدم الثقة فيهم وتوقع الإهانة منهم أو الغدر أو الخيانة أو الأذى أو نحو ذلك.
3. حساس جداً فلو أخطأت عليه بدون عمد قد يتضارب معك!
4. المبالغة في التأثر بانتقادات الآخرين وتضخيمها وتحميلها مالا تحتمل من المعاني السيئة مع المسارعة في الرد عليها والدفاع عن النفس قولاً أو فعلاً وإن لم يستطع الدفاع كتم الحقد في نفسه ولا يحاول تناسيه وإنما يحتفظ به إلى الظرف المناسب (مهما كان الانتقاد يسيراً أو تافهاً).
5. إسقاط أخطائه وهفواته على غيره.
6. الإكثار من المراء و الجدال والخصومة والتحدي والعناد مع الاعتداد بالرأي مما يجعل التفاهم معه أو أقناعة في بعض الأمور أمر صعب ولاسيما إذا كان أمام الآخرين وكما يقال : ( رأسه ناشف )
7. المبالغة في تصور العداء والتنافس والتحدي وكأنه يرى العالم غابة يأكل القوي فيها الضعيف
8. السعي إلى الزعامة والسيادة والسيطرة والقيادة والتمكن من تدبير الأمور مع الأنفة والاستنكاف أن يكون مرؤوساً لأنداده وأقرانه .
9. السعي إلى إثبات ذاته ووجوده أمام الآخرين .
10. عدم الاعتراف بالجهل أو أي نقص فيه .
11. المبالغة في التعرف على ما في نفوس الآخرين وما قد يخفونه عنه من الأمور المهمة وقد يتطفل على خصوصياتهم ويتجسس عليهم أو يحتال عليهم ليعرف ما عندهم وفي المقابل يميل هو إلى السرية والتكتم بدرجة مبالغ فيها ويتوهم أن المعلومات التي يخفيها قد تستخدم ضده يوما ًما .
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه       وصدق ما يعتاده من توهم
12. الحرص على جمع الإدانات من أقوال وأفعال التي تنفعه ضد خصومه وقد يحتفظ بها مده طويلة ويبالغ في الاستناد إليها و الاستشهاد بها وتكثيرها .
13. الحرص على معرفة الأنظمة والقرارات وكل ما يمكن أن يخدم أهدافه في خصوماته ليدافع عن نفسه أو ليهاجم غيره .
14. المبالغة في الصرامة والشدة مع ضعف مشاعر الحنان والمودة والرحمة وتغليب العقل عن العاطفة في معظم الأمور .
15. نادراً ما يميل إلى المزاح أو يرضى به في حقه وغالبا ما يبحث فيه عن معنى خفي قد يكون الممازح أراد به إهانته، كما أنه هو إذا مازح فإنه يستثمر المزاح في إهانته وانتقاد غيره ومماراتهم ونحو ذلك، كما يقال : ( مزح برزح ) .

أهم العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية



  الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا … أما بعد:
فإن المتأمل في واقع حياة الناس يجد لكل منهم شخصية مختلفة عن غيره ، ولكل منهم أسلوبه في التعامل مع الآخرين فهذا يبتعد عن مواجهة الآخرين خوفاً من الانتقادات المتوقعة ،وهذا يستعطف الآخرين بالمبالغة في إظهار المعاناة ، وهذا يلقي بأخطائه على الآخرين ...الخ ، وقد تحدث مشكلة من أحد الطلاب أو سلوكاً غريباً،  فنستغرب هذه التصرفات و ربما نتعامل معها بأسلوب خاطئ ، ولكن لو تعرفنا على أنواع الشخصيات وصفاتها، استطعنا أن نحللها ونتعامل معها بالطريقة المناسبة ؛ فمثلاً وقعت مشكلة من شخص ذا شخصية مرتابة (سيئة الظن) فعلينا أولاً أن نعرف صفات هذه الشخصية ثم بعد ذلك سنخرج بالتوصيات التالية:1. لابد أن تكون صريحاً وواضحاً معه ولا تبالغ في ذلك لأنه ربما يفسر تصرفك بغير الذي تقصد. 2.إذا احتجت إلى محاورته فاستعد بالأدلة المقنعة والحجج القوية مع الحذر من إسقاطاته. 3.لا تواجهه بعنف فينفجر! 4.إذا لم ينفع معه المواجهة الكلامية فاستخدم أسلوب المكاتبة...الخ .

وكذلك لو أردت أن تضع شخصاً لعمل أو لجنة تحتاج إلى نوع من التضحية والبذل والإيثار وخدمة الآخرين فعليك بصاحب الشخصية المستسلمة الخ...
وإن مما دفعني لكتابة هذا البحث أني وجدت عدداً من الطلاب الذين تحصل منهم مشكلات كبيرة ومتشعبة في المحاظن التربوية؛ غالباً ما تكون شخصياتهم معلولة، فلذلك يحتاجون إلى معاملة خاصة، مبنية على تصور دقيق لنوع الشخصية، وكيفية التعامل معها –وهم قلة ولله الحمد- ولكنهم يؤثرون على مسيرة العمل، ويأخذون فكر المربي ووقته!.
بالإضافة إلى أن الداعية والمربي يجدر به أن يتعرف على أنواع الشخصيات وصفاتها؛ ليستطيع أن يؤثر في الناس بأقواله وأفعاله وتصرفاته فيعرف ماهي النقاط التي يتأثر بها المدعو فيركز عليها ويوظفها فيما ينفع ، وينتبه للأساليب التي ربما تنفر المدعو فيبتعد عنها.

عليه أخلص إلى أهمية معرفة الشخصيات وصفاتها خصوصاً الشخصيات التي يكثر وجودها في مجتمعنا .. وما هذا البحث إلى خطوة لجمع وتوضيح أهم أنواع الشخصيات التي تهم المربي لأداء مهمته على الوجه المطلوب، وقد حرصت على الاختصار قدر الإمكان ، والتركيز على ما يهم مراعياً سهولة الأسلوب والتوضيح بالأمثلة.

وقد استفدت كثيراً من كتاب ما تحت الأقنعة للدكتور محمد بن عبد الله الصغير –حفظه الله ورعاه- فهو مناسب لغير المتخصص وأسلوبه واضح ، وكذلك كتاب علم النفس الدعوي للدكتور عبد العزيز بن محمد النغيمشي ، ومجموعة من المراجع والمقالات.
أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يجعلنا مباركين أينما كنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.


مدخل إلى علم الشخصيات:

1. تعريف الشخصية والمراد بها.
2. أهم العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية.
3. علامات اعتلال الشخصية (نستطيع من خلالها أن نميز نوع الشخصية).
4. ما هي الشخصية السوية (التي ينبغي أن نكون عليها).
5. رسم بياني يوضح ذلك.
6. وقفات.

أولاً: تعريف الشخصية
تعدد المعرفون للفظ ( الشخصية ) حتى وصلوا إلى 50 تعريفاً ، وأقربها التعريف الآتي :
(هي مجموع الخصال والطباع المتنوعة الموجودة في كيان الشخص باستمرار ، والتي تميزه عن غيره وتنعكس على تفاعله مع البيئة من حوله بما فيها من أشخاص ومواقف ، سواء في فهمه وإدراكه أم في مشاعره وسلوكه وتصرفاته ومظهره الخارجي ، ويضاف إلى ذلك القيم و الميول والرغبات والمواهب والأفكار والتصورات الشخصية).
فالشخصية إذاً لا تقتصر على المظهر الخارجي للفرد ولا على الصفات النفسية الداخلية أو التصرفات والسلوكيات المتنوعة التي يقوم بها وإنما هي نظام متكامل من هذه الأمور مجتمعة مع بعضها ويؤثر بعضها في بعض مما يعطي طابعاً محدداً للكيان المعنوي للشخص.

ثانياً: أهم العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية
هذه بعض العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية و التي ينبغي الإلتفات إليها ومراعاتها لما لها من دور في معرفة شخصية الفرد وفهم صفاتها وتقويمها وكيفية التعامل معها :
1. الوراثة: فلها دور في إكساب الشخص بعض الصفات التي تؤثر في تكوين الشخصية ( العجلة ، البرود ،  الكرم ، الجدية ، الدعابة ، ..)
2. الخلقة: فقد أوضحت الدراسات الطبية أن في الدماغ العديد من المراكز الحيوية التي تحكم وتدير العديد من العمليات العقلية والنفسية (التفكير،المشاعر،الإدراك،السلوك..) مما له أثر كبير في تكوين الشخصية.
3. الأسرة وأساليب التنشئة: للأسرة دور كبير في النمو النفسي في المراحل المبكرة في حياة الإنسان لأنها البيئة الأولى التي ترعى البذرة الإنسانية بعد الولادة ومنها يكتسب الطفل الكثير من الخبرات والمعلومات والسلوكيات والمهارات والقدرات التي تؤثر في نموه النفسي إيجاباً أو سلبا حسب نوعيتها وكميتها , وهي التي تشكل عجينة أخلاقه في مراحلها الأولى .
والاستقرار الأسري له دور كبير في ذلك فكلما كانت الأسرة أكثر استقراراً صار الفرد فيها أكثر أمناً وطمأنينة وثقة في نفسه... والعكس بالعكس.
وموقع الفرد في الأسرة له أهميته المؤثرة في تكوين الشخصية (الولد الأكبر- الولد الأصغر- الابن الوحيد بين البنات) . وكذلك أسلوب تربية الوالدين لها أثر كبير على شخصية الابن (دلال زائد – شدة زائدة - ...)
4. المؤثرات الثقافية و الاجتماعية: مثل:(المعلومات–العادات–الأعراف–التقاليد–القيم–المعتقدات ..).
  ويجدر التنبيه إلى أن المنهج التربوي الإسلامي يغير في صفات وسمات الأفراد تغييراً جذرياً وإن كانوا كباراً ، عبر الحركة والفعل فتحول بعضهم من الشدة إلى اللين ، ومن السطحية إلى العمق ، ومن الفردية إلى الجماعية ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن الغضب إلى الحلم ، ومن العجلة إلى التأني ، إضافة إلى أن المنهج الإسلامي في التربية يراعي الاستعدادات الأصلية ، والفروق الفردية.
ثالثاً: علامات اعتلال الشخصية
هناك عدد من العلامات العامة والخاصة الدالة على اعتلال الشخصية،فالعامة تدل على وجود علة ما في الشخصية  والخاصة تحدد بمجموعها نوع اضطراب الشخصية (مرتابة-اعتمادية-انطوائية).
العلامات العامة:
1. إشكالات كثيرة ومتكررة في التعامل مع الآخرين والتفاهم معهم (كالوالدين والأولاد والإخوة و الأخوات والأقارب والجيران وزملاء المدرسة أو العمل ...).
2. صعوبات متكررة في التكيف مع الضغوط النفسية وضعف القدرة على مواجهة الأزمات والمشكلات (في البيت أو المدرسة أو العمل ...).
3. خلل بارز في ضبط المزاج والعواطف أو في كميتها أو كيفيتها (برود في العواطف ، سرعة جيشان العاطفة، تقلب مفاجئ في المزاج ...).
4. أخطاء بارزة ومستمرة في طريق الفهم والتفكير والاستدلال والاستنتاج و التصورات الذهنية ، ليست بسبب تخلف عقلي أو مرض عقلي طارئ (كالفصام العقلي ونحوه).
5. خلل بارز في التصرفات والسلوك في النوع أو الكم (تصرفات غير لائقة اجتماعياً أو دينياً ، اندفاع في التصرف دون تفكير مسبق ، إحجام شديد ...).
6. الإفراط في استعمال الحيل النفسية واللجوء إليها كثيراً والاعتماد عليها في مواجهة المشكلات.
وليس بالضرورة أن توجد العلامات العامة كلها مجتمعة في شخص واحد بل قد لا يوجد فيه سوى نصفها مما هو بارز ظاهر في شخصية الفرد وكفيل بإدخاله دائرة الاعتلال النفسي في كيان الشخصية.
العلامات الخاصة:
لكل نوع من اضطرابات الشخصية ما يميزه ويحدده من العلامات الخاصة ، فمثلاً :
 الشخصية سيئة الظن يغلب عليها الشك في الآخرين والريبة الزائدة والحذر من الناس .
 الشخصية المخادعة يغلب عليها النفاق الاجتماعي و المراوغة وضعف الضمير .
 الشخصية الاعتمادية يغلب علها الركون إلى غيرها والاستناد إلى الدعم الخارجي والقلق عند فقده .
 الشخصية التجنبية يغلب عليها خشية انتقادات الآخرين وتفاديها وتحاشي الاختلاط بالآخرين لأجل ذلك .
 وغير ذلك من العلل والعلامات مما سيأتي لاحقاً –بإذن الله- .

رابعاً: ما هي الشخصية السوية (التي ينبغي أن نكون عليها).
يندر أن يوجد على الأرض حاضراً أو مستقبلاً شخص سوي تام السواء في صفاته وطباعه كلها ، كما قيل:
من لك بالمهذب الندب الذي       لا يجد العيب إليه مختطى
وروي عن سعيد بن مسيب قوله : ( ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله).
وإليك أخي المبارك بعض المعايير والضوابط التي تبين صفات الشخصية السوية :
1. التوازن في تلبية المطالب بين الجسد والروح :
وهي تعني أن الإنسان السوي هو الذي يلبي نداءات الروح والجسد على حد سواء وأن الشذوذ والانحراف يمكن أن يوجد عند إشباع الروح على حساب الجسد أو العكس.
2. الفطرية :
 وتعني انسجام السلوك مع السنن الفطرية التي فطر الله الناس عليها ، فالسلوك كلما تطابق مع الفطرة أو أقترب منها كان سوياً وكلما ابتعد عنها كان شاذاً ، ومن ذلك إيمان الإنسان بوحدانية الله وهو أمر فطري ، والشرك هو الشذوذ قال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله).
3. الوسطية:
 وهي خيرية السلوك وفضيلته ، أو هي توازن في أداء السلوك ذاته بين الإفراط والتفريط ، فالإنفاق يكون بين الإسراف والتقتير ، والعلاقة بالله تكون بين الخوف والرجاء ، والاتجاه إلى أحد الطرفين يعد شذوذاً ، قال تعالى: ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ).
4. الاجتماعية:
وهي وجود الإنسان في وسط اجتماعي ، وتجاوبه السلوكي مع هذا الوسط ، وقدرته على إقامت العلاقة الإنسانية مع الآخرين . ولهذه السمة ارتباط وثيق بالسمة الثانية فالإنسان اجتماعي بفطرته والاتجاه إلى الفردية أو العزلة بدون سبب ملجئ يعد شذوذاً.
5. المصداقية:
وهي الصدق مع الذات ومع الناس ، وتطابق ظاهر الإنسان مع باطنه ، وكلما اختلف ظاهر الإنسان عن باطنه كلما كان شاذاً وازدوجت شخصيته ، وهو النفاق وقد عده القران مرضاً قال تعالى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين . يخادعون الله و الذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون).
6. الإنتاجية:
وهي اتجاه الإنسان إلى العمل وتحمل المسؤولية بحدود قدراته ، فالعمل أو الإنجاز يعد ركناً مهماً في سواء الإنسان وصحته النفسية ، بينما تؤدي البطالة والسلبية إلى الانحراف أو الشذوذ.


خامساً: رسم يبين موقع الشخصية السوية والشخصيات المعتلة:














+    -



يوضح الشكل السابق أن الأصل في الشخصية السوية هي الوسط فإذا زادت الصفة عن حدها أو نقصت أصبح الإنسان معلول الشخصية ، فالإنسان يجب أن يكون فطناً في تعامله مع الناس بدون إساءة ظن أو توجس (الشخصية السوية)، فإذا أصبح يشك في الآخرين ويتوجس منهم بدون سبب واضح كان مريضاً (الشخصية المرتابة) ، وإذا كان يثق في جميع الناس ثقةً عمياء فهو كذلك مريض (الشخصية الساذجة) وهكذا في جميع الصفات...






سادساً: وقفات.
1. أغلب الناس أسوياء ذو شخصيات سليمة و يجب أن يكون هذا نصب أعيننا دائماً قال تعالى (ونفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها).
2. لا يشخص اعتلال الشخصية دون سن الثامنة عشر (ويرى بعض الباحثين تأجيله إلى ما بعد سن الحادية والعشرين) حيث إن فترة المراهقة يصحبها العديد من التقلبات المزاجية والسلوكية والفكرية.
3. لابد من توفر العلامات الكافية للتشخيص وأن يكون لها طابع الاستمرار أو التواجد الغالب في صفات الشخص خلال فترة زمنية كافية بعد فترة المراهقة.
4. ألا تكون تلك العلامات مرتبطة بمواقف محددة أو أشخاص معينين أو مكان مخصص وإنما هي مرتبطة بتكوين الشخص وبنائه النفسي.
5. أن يكون تقويم تلك الاعتلالات والحكم عليها مستند إلى المصداقية المناسبة من حيث المعلومات الوافية مع الوثوق بمصدرها ولاسيما في حالات الخلافات الشخصية إذ من الخطأ الاعتماد على رأي أحد المتخاصمين في معرفة صفات خصمه فقلما يكون منصفاً في ذلك.
6. أحياناً قد يكون الشخص متسماً بشخصية معينة، ويصاحبها صفات أخرى من شخصيات متعددة.

مفاتيح للاستفادة من البحث:

1. أجعل من الأقارب والمعارف مدرسة في فهم النفسيات ، فإذا استطعت أن تربط كل شخصية برجل تعرفه وقارنت بين الصفات المذكورة والصفات الموجودة في الرجل فستكون أقرب للفهم و أرسخ في الذهن.
2. أبدأ أولاً في قراءة تعريف الصفة ثم أمثلتها، وبعد ذلك حاول أن تستنتج أبرز الصفات التي تتوقعها في هذه الصفة (واكتبها)، وبعد ذلك أقرأ الصفات المكتوبة ثم كيفية التعامل معها ومجالات نجاحها.
3.  أسأل نفسك : ما هي الفائدة التي تود أن تجنيها من قراءتك للشخصيات وصفاتها؟!!
وإليك بعض الفوائد:
- القدرة على التعامل مع الآخرين بالأسلوب المناسب.
- القدرة على حل المشاكل بالطريقة الصحيحة.
- القدرة على معرفة الشخصيات وتحليلها.
- وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.





أنواع الشخصيات

أولاً: الشخصية المرتابة

-  من أسمائها :
  الشكاكة أو سيئة الظن.

المراد بها :
 من الناس من فيه علة في شخصيته مدارها حول الإفراط و المبالغة في إساءة الظن والشك في الآخرين و اليقظة والحذر منهم وهؤلاء في درجات متفاوتة من حيث شدة العلة فيهم ؛فقد تكون في بعضهم علة خفيفة (سوء ظن يسير) وفي آخرين علة شديدة تكفي لتشخيصهم بأن لديهم اضطراباً في الشخصية وهو اضطراب الشك والريبة.

أمثلتها:
1. علي شخص معروف بين زملائه بالمجادلة والمراء والعناد فهو لا يعترف بأخطائه وقلما يحترم الطرف المقابل ، كان ذاهباً ذات مرة مع بعض أصدقائه في رحلة برية وبينما هم في السيارة يستمعون بإنشاد أحد الشعراء الشعبيين في شريط كاسيت إذ قال الشاعر :
المجادل لا تطاوله الجدال      يتعبك لو كان ما عنده دليل
لو تحاول تقنعونه بأي حال      مستحيل يستمع لك مستحيل
فقال ناصر : ((هذا أنت يا علي)) أي : (قول الشاعر ينطبق عليك) فثارت ثائرة علي وغضب غضباً شديداً وأخذ يقذف سباً وشتماً شمل به ناصر وصاحب السيارة والذي اقترح الرحلة والشاعر الذي قال تلك الأبيات وقال للجميع: (أنتم عاملينها علي مؤامرة هالرحلة علشان أسمع هالأبيات لكن والله .....)
2. سامي شاب مراهق يملك سيارة فارهة يحب أن ينافس بها أقرانه ويشعر بالتفوق عليهم وإذا شاهد أحد زملائه في سيارة أفضل من سيارته أخذ يغتابه ويتهمه بأنه ما قصد من شرائه تلك السيارة إلا أن يهينه ويأخذ منه الأصدقاء.

صفاتها:
1. تغليب سوء الظن في معظم الأوقات ومع معظم الأشخاص في أقوالهم وأفعالهم دون أن يكون لذلك ما يدعمه من الواقع وإنما بسبب علة في الشخص نفسه وقد يزيد سوء الظن إذا كان هناك ما يثيره ولو بدرجة يسيرة.
2. المبالغة في الحذر والترقب والتوجس والحيطة من الناس مع عدم الثقة فيهم وتوقع الإهانة منهم أو الغدر أو الخيانة أو الأذى أو نحو ذلك.
3. حساس جداً فلو أخطأت عليه بدون عمد قد يتضارب معك!
4. المبالغة في التأثر بانتقادات الآخرين وتضخيمها وتحميلها مالا تحتمل من المعاني السيئة مع المسارعة في الرد عليها والدفاع عن النفس قولاً أو فعلاً وإن لم يستطع الدفاع كتم الحقد في نفسه ولا يحاول تناسيه وإنما يحتفظ به إلى الظرف المناسب (مهما كان الانتقاد يسيراً أو تافهاً).
5. إسقاط أخطائه وهفواته على غيره.
6. الإكثار من المراء و الجدال والخصومة والتحدي والعناد مع الاعتداد بالرأي مما يجعل التفاهم معه أو أقناعة في بعض الأمور أمر صعب ولاسيما إذا كان أمام الآخرين وكما يقال : ( رأسه ناشف )
7. المبالغة في تصور العداء والتنافس والتحدي وكأنه يرى العالم غابة يأكل القوي فيها الضعيف
8. السعي إلى الزعامة والسيادة والسيطرة والقيادة والتمكن من تدبير الأمور مع الأنفة والاستنكاف أن يكون مرؤوساً لأنداده وأقرانه .
9. السعي إلى إثبات ذاته ووجوده أمام الآخرين .
10. عدم الاعتراف بالجهل أو أي نقص فيه .
11. المبالغة في التعرف على ما في نفوس الآخرين وما قد يخفونه عنه من الأمور المهمة وقد يتطفل على خصوصياتهم ويتجسس عليهم أو يحتال عليهم ليعرف ما عندهم وفي المقابل يميل هو إلى السرية والتكتم بدرجة مبالغ فيها ويتوهم أن المعلومات التي يخفيها قد تستخدم ضده يوما ًما .
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه       وصدق ما يعتاده من توهم
12. الحرص على جمع الإدانات من أقوال وأفعال التي تنفعه ضد خصومه وقد يحتفظ بها مده طويلة ويبالغ في الاستناد إليها و الاستشهاد بها وتكثيرها .
13. الحرص على معرفة الأنظمة والقرارات وكل ما يمكن أن يخدم أهدافه في خصوماته ليدافع عن نفسه أو ليهاجم غيره .
14. المبالغة في الصرامة والشدة مع ضعف مشاعر الحنان والمودة والرحمة وتغليب العقل عن العاطفة في معظم الأمور .
15. نادراً ما يميل إلى المزاح أو يرضى به في حقه وغالبا ما يبحث فيه عن معنى خفي قد يكون الممازح أراد به إهانته، كما أنه هو إذا مازح فإنه يستثمر المزاح في إهانته وانتقاد غيره ومماراتهم ونحو ذلك، كما يقال : ( مزح برزح ) .




ويريده حلالا ايضا !!


احترم وقدّر . .
شابين فتيين . .
يختصمان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّهم قتل ابا جهل !!
فيطلب صلى الله عليه وسلم سيوفهما . .
فيرى عليها آثار الدماء . .
فيقول : كلاكما قتله !!
ويوصي عائشة رضي الله عنها . .
يا عائشة . .
لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة !!
إن احترام جهود الآخرين ..
مهما قلّت . .
أو دقّت . .
تبعث في قلوب الآخرين الثقة فيما يقدمون ..
ويعطون . .
ويبدعون . . .
احترم جهدهم . .
تصنع فيهم الثقة !

الخامسة : كلّف بالمستطاع .
حتى لا يصاب من حولك بالإحباط . .
أو الفتور . .
حتى لا يصيرون أسرى الضجر والملل . .
أسرى التخبّط والفشل . .
كلّف بالمستطاع ..
اعرف قدراتهم . .
إمكاناتهم . .
ثم اختر المناسب ..
في المكان المناسب . .
وفي الوقت المناسب ..!
حذيفة أمين السر . .
وخالد بن الوليد . .
سيف الله المسلول . .
وأبو هريرة . .
المحدّث الحافظ . .
يوم الخندق . .
ينتدب حذيفة . .
وفي القوم ابو بكر وعمر . .!!
حين تطلب من الآخرين ما لا يمكن أن ينجزوه أو يعملوه . .
توقعهم في حبائل الضعف والخور والفشل . .
كلف بالمستطاع . .
لتجد من حولك أكثر ثقة في إبداعهم .

السادسة : ثق بهم .
ليكونوا أوثق بأنفسهم . .
امنحهم ثقتك . .
وحسن ظنك بهم . . .
لا تعملهم بالشك والريبة . .
وتأويل الأفعال . .
وإلزام النيات والمقاصد ما لا يلزم !!
رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل اسامة بن زيد رضي الله عنه . .
على جيش يسيّره إلى الروم . .
في الجيش كبار الصحابة . .
وأميرهم أسامة !
يرسل الشاب اليافع حبيب بن زيد رضي الله عنه ..
ليبلغ رسالته إلى مسيلمة الكذاب . .
من غير أن يكون له حرس ..
أو حجّاب . . !!
يُرسل معاذاً إلى اليمن . ..
ومصعب الشاب المترف . .
يرسله سفيراً للإسلام إلى المدينة . .
إن الثقة بالآخرين . .
من أعظم ما يولّد الثقة عندهم . .
ثقة في أنفسهم . .
وثقة بك . .
حتى زوجتك وابناؤك . .
هم أولى الناس . .
بأن تمنحهم ثقتك !

السابعة : صارحهم .
لا تزين لهم . .
ولا تتكلّف لهم . .
استر عيبهم عن أن تفضحهم . .
لكن لا تستر عيبهم عن أن تنصحهم . . !
صارحهم بأخطائهم . .
مصارحة الحريص المشفق . .
من غير تشهير أو تحقير أو إذلال ..!
ما بال أقوام . .
ونعم العبد عبد الله لو كان يقوم من الليل .!
وكما صارحتهم بعيبهم . .
صارحهم بحبك . .
" إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله، فليخبره بأنه يحبه لله عز وجل"

الثامنة : امنحهم فرصة التعبير عن شعورهم وأفكارهم بكل اريحية .
لا تزجر . .
أو تضجر . .
يدخل شاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول :
يارسول الله إئذن لي في الزنا ؟!
يا لله . .
يريد الزنا ؟!
ويريده حلالا ايضا !!
فيدنيه منه صلى الله عليه وسلم وهو يقول في شفقة وحب . .
أترضاه لأمك . .
لأختك . .
حتى يقول له : وهكذا الناس لا يرضونه لأمهاتهم وأخواتهم !!
فيقوم الشاب من عنده وهو أوثق بنفسه من أن يقع في هذه الكبيرة . .
بعد هذا الحوار الهادئ . .
زوجتك . .
ابناؤك . .
من حولك ..
بحاجة إلى أن تعطيهم فرصة - أريحية - للتعبير عن أفكارهم . .
مشاعرهم ..
عواطفهم . .
خلجات دواخلهم . .
من غير أن تكبح . .
أو تزمر . .
أو تزجر . . !!
إنك حين تحرمهم هذه الفرصة . .
سيكونون أضعف من أن يواجهوا أنفسهم بصراحة !!
لتبني الثقة فيمن حولك . .
امنحهم فرصة التعبير . .

التاسعة : لا تسخر بهم .
يشرب رجل الخمر . .
فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجلده . .فيقول أحدهم :
ما أقبحه ما أكثر ما يؤتى به . . !!
فيقول صلى الله عليه وسلم :
ما أعلم إلا أنه يحب الله ورسوله !!
لا تعينوا الشيطان على أخيكم !!
هذه الكلمات . .
لهي اشد وقع في نفس ذلك الرجل . .
من سياط الجلد . .
إنها تربية النبوة . .
لا تسخر . .
من طالبك ...
ابنك . .
زوجتك . .
حين يخطئ . .
أو حين يحاول الإبداع . .
إنك تغتال طموحه . .
تقتل فيهم الإبداع . .
المبادرة . .
الإنجاز . .
" يا ايها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم . . "
" ولا نساء من نساء . . " !

العاشرة : علّمهم كيف يبدعون ..
كيف ينجزون . .
كيف يتخلصون من مشاكلهم . .
وجّه . .
انصح . .
ساعد . .
أغث . .
وينشأ ناشئ الفتيان منّا : : : : على ما كان عوّده أبوه
وكن بهم رحيماً . .
" لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم "
أخرج ابن جرير بسنده عن أبي اليسر (كعب بن عمرو الأنصاري) قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمراً، فقلت: إن في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت عمر فسألته فقال: اتق اللّه واستر على نفسك، ولا تخبرنّ أحداً، فلم اصبر حتى أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته فقال: "أخلفتَ رجلاً غازياً في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا؟" حتى ظننت أني من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ"، فأطرق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساعة، فنزل جبريل، فقال: أبو اليسر: فجئت فقرأ عليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فقال إنسان: يا رسول اللّه أله خاصة أم للناس عامة؟ قال: "للناس عامة". وعن أبي ذر، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "اتق اللّه حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" (أخرجه الإمام أحمد) .
لقد خرج هذا المذنب الخطّاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . .
وهو أشد عزماً على أن لا يقرب هذه المعصية . .
خرج من عنده . .
وهو أكثر أملاً وتفاؤلاً . .
إنك حين تعلّم غيرك ..
كيف يبدع . .
كيف يسمو ..
كيف يتخلّص من مشاكله وهمومه . .
يكون أقدر وأوثق من نفسه على أن يقضي دهره . .
في ظل أمل بعمل . . !!


لا حرمت الأجر ايها المبارك . .
وسدد الله على الخير خطاك . .
عشر خطوات . .
ابتغي منه تنزّل الرحمات . .
وصالح الدعوات . .
والحمد لله رب العالمين .


عشر خطوات لبناء الثقة في نفسك ..!












انا المصرى: حبا واشتياق انت----ام رغبة من الاعماقعشقا انتى من...

انا المصرى: حبا واشتياق انت----ام رغبة من الاعماقعشقا انتى من... : حبا واشتياق انت----ام رغبة من الاعماق عشقا انتى منتهاها----كل هاماتى رج...