الخميس، 19 ديسمبر 2013

الوقت

ص -129- قال الشافع رضي الله عنه صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل قلت يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم وقد يريدون بالوقت ما هو أخص من هذا كله وهو ما يصادفهم في تصريف الحق لهم دون ما يختارونه لأنفسهم ويقولون فلان بحكم الوقت أي مستسلم لما يأتي من عند الله من غير اختيار وهذا يحسن في حال ويحرم في حال وينقص صاحبه في حال فيحسن في كل موضع ليس لله على العبد فيه أمر ولا نهي بل في موضع جريان الحكم الكوني الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي كالفقر والمرض والغربة والجوع والألم والحر والبرد ونحو ذلك ويحرم في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنهي والقيام بحقوق الشرع فإن التضييع لذلك والاستسلام والاسترسال مع القدر انسلاخ من الدين بالكلية وينقص صاحبه في حال تقتضي قياما بالنوافل وأنواع البر والطاعة وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت وجعل وقته مساعدا له وإذا أراد.
(76/4)

ص -130- به شرا جعل وقته عليه وناكده وقته فكلما أراد التأهب للمسير لم يساعده الوقت والأول كلما همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده وقد قسم بعضهم الصوفية أربعة أقسام أصحاب السوابق وأصحاب العواقب وأصحاب الوقت وأصحاب الحق قال فأما أصحاب السوابق فقلوبهم أبدا فيما سبق لهم من الله لعلمهم أن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد ويقولون من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل ففكرهم في هذا أبدا ومع ذلك فهم يجدون في القيام بالأوامر واجتناب النواهي والتقرب إلى الله بأنواع القرب غير واثقين بها ولا ملتفتين إليها ويقول قائلهم
من أين أرضيك إلا أن توفقني هيهات هيهات ما التوفيق من قبلي
إن لم يكن لي في المقدور سابقة فليس ينفع ما قدمت من عملي
وأما أصحاب العواقب فهم متفكرون فيما يختم به أمرهم فإن الأمور بأواخرها والأعمال بخواتيمها والعاقبة مستورة كما قيل
لا يغرنك صفا الأوقات
فإن تحتها غوامض الآفات
فكم من ربيع نورت أشجاره وتفتحت أزهاره وزهت ثماره لم يلبث أن أصابته جائحة سماوية فصار كما قال الله عز وجل {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} إلى قوله {تَفَكَّرُونَ}
فكم من مريد كبا به جواد عزمه فخر صريعا لليدين وللفم
وقيل لبعضهم وقد شوهد منه خلاف ما كان يعهد عليه ما الذي أصابك فقال حجاب وقع وأنشد
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا
تعجبين من سقمي صحتي هي العجب
(76/5)


ص -131- الناكصون على أعقابهم أضعاف أضعاف من اقتحم العقبة
خذ من الألف واحدا واطرح الكل من بعده
وأما أصحاب الوقت فلم يشتغلوا بالسواق ولا بالعواقب بل اشتغلوا بمراعاة الوقت وما يلزمهم من أحكامه وقالوا العارف ابن وقته لا ماضي له ولا مستقبل ورأى بعضهم الصديق رضي الله عنه في منامه فقال له أوصني فقال هل كن ابن وقتك وأما أصحاب الحق فهم مع صاحب الوقت والزمان ومالكهما ومدبرهما مأخوذون بشهوده عن مشاهدة الأوقات لا يتفرغون لمراعاة وقت ولا زمان كما قيل
لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالة ليلى ولرعي النجوم كنت مخلى إن
للعاشقين عن قصر الليل، وعن طوله من العشق
شغلا قال الجنيد دخلت على السرى يوما فقلت له كيف أصبحت فأنشأ يقول
ما في النهار ولا في الليل لي فرج فلا أبالي أطال الليل أم قصرا
ثم قال ليس عند ربكم ليل ولا نهار يشير إلى أنه غير متطلع إلى الأوقات بل هو مع الذي يقدر الليل والنهار.
فصل قال صاحب المنازل الوقت اسم في هذا الباب لثلاث معان المعنى.
الأول حين وجد صادق أي وقت وجد صادق أي زمن من وجد يقوم بقلبه وهو صادق منه غير متكلف له ولا متعمل في تحصيله يكون متعلقه إيناس ضياء فضل أي رؤية ذلك والإيناس الرؤية.

ليست هناك تعليقات: