الاثنين، 12 يناير 2026

شعور

 الجسد لا يشتعل إلا حين تشعر الروح بالأمان والقرب.لية يا زمانى ترمنى من تانى---بين نديم وبين حبيب
ياليتنى لم ابحث عن وجدانى---حتى اموت بكامل اشواقى
لن اكون تراب فى مهب الريح===لى رب ادعوة فيجيب
لو انى املك حياتى ------لكتبتها من يشدوا محبة قلب
اسراب الياس تحاصر حبى ===كانى غريب الدار معاك
جعلونى انا وقلبى انغام ----يشدوا بها -------------هناكحبيبى مجنون بحبة يقول===عشقتك بكل الفنون
حبيبى قلبة مفتون بجنون===يهوى بعشك السنين
حبيبى مال وداب بحنين----بسموا بشوقة بدون انين
حبيبى سالتك رحمة وحنين---قال هيهات يا مسكين
مال بعقلى باسراب الحدود----ورمانى وانا وقلبى بحنين
سالتة قال لا يا حبيب---لقد عشقتك بقلبى يا مسكين
حبيبى مجنون بحبة يقول===عشقتك بكل الفنون
حبيبى قلبة مفتون بجنون===يهوى بعشك السنين
حبيبى مال وداب بحنين----بسموا بشوقة بدون انين
حبيبى سالتك رحمة وحنين---قال هيهات يا مسكينخلتنى احب انغامك
من كل قلبى حبيتك
خلتنى اشوف الودمعاك
واحلم كانك ملاك
تروى روحى بهواك
واعيش واتمنا عيناك
واتمنا نسيم شفتاك
خلتنى احبك واتمناكلا تعودى الى بحرى الصافى----شباكك لم تعد تنال هواكى
لا تقتلينى بكلماتك كا شهيد الامس---مات فى حبك بدون عزائ
تركتنى اصارع نفسى
---بين قلبى وعشقى
عادت والدمع بعينها انهار----وتلقى الى بطوق الامانى والاوهام

ابحرت من حياتى كا الربان----وانا غريق الهوى مشتاق
طوت الافاق بعيد المنال---وانا اغرق اغرق بين الاحضان

تركتنى اصارع نفسى
---بين قلبى وعشقى
ابحرت من حياتى كا الربان----وانا غريق الهوى مشتاق
ما سر تحرك مشاعر الرجل لأكثر من امرأة رغم أنه متزوج من المرأة التي أحبها؟انضم لنشاط جماعي: دورة، نادي، فريق تطوعي في مجال يهمك
· تدرب على التحدث أمام المرآة: لتحسين نبرة الصوت ووضوح الكلام
· تعلم رفض الأفكار السلبية الذاتية

5. الرعاية الذاتية والدعم

· مارس الرياضة بانتظام: تخفف التوتر وتزيد الثقة
· تعلم تقنيات الاسترخاء: التنفس العميق، التأمل
· ابحث عن دعم: تحدث مع صديق مقرب أو مستشار متخصص

متى تطلب مساعدة متخصصة؟سألونى عن حبها.... انغام وحنان
سالونى عن ثنايها... الحان كمان
انفاس الهوى نسيم... كا الريحان
فؤادك طبيب الغرام... يشفى بحنانإليك بعض النصائح العامة التي قد تساعد في بناء علاقة زوجية سعيدة ومستقرة، مع التركيز على الجانبين العاطفي والعملي:

1. التواصل الفعّال

· تحدثي بصراحة وهدوء: عبّري عن مشاعرك واحتياجاتك بدون لوم أو انتقاد.
· استمعي بإنصات: انتبهي لمشاعر زوجك وفكّرتي في وجهة نظره.
· تجنبي الصمت الطويل: إذا حدث خلاف، حاولي مناقشته مبكراً قبل تراكم المشاعر.

2. الاحترام المتبادل

· قدّري جهوده: حتى في الأمور الصغيرة، الشعور بالتقدير يعزز الروابط.
· احفظي خصوصياته: خصوصيات الحياة الزوجية والأسرار تكون بينكما فقط.
· ابتعدي عن الإهانة أو التقليل: خاصة أثناء الخلافات.

3. الاهتمام والعطف

· الرعاية اليومية: اهتمي باحتياجاته المعنوية والمادية، واطلبي منه نفس الاهتمام.
· المفاجآت البسيطة: أحياناً هدية صغيرة أو كلمة طيبة تجدد المشاعر.
· اللمسات العاطفية: مثل الابتسامة، أو السؤال عن يومه، أو إعداد ما يحب.

4. التعاون في المسؤوليات

· توزيع المهام: حسب الظروف والقدرات، بدون تصلّب في الأدوار التقليدية.
· اتخاذ القرارات سوية: خاصة في الأمور الكبيرة مثل المال، والأبناء، والتخطيط للمستقبل.
· كوني شريكة داعمة: في الأزمات والأفراح، كوني سنده وذكّريه بأنكما فريق واحد.

5. الحفاظ على الاستقلالية والخصوصية

· لكل منكما مساحته: احترمي وقته الخاص وهواياته، واطلبي نفس المساحة لنفسك.
· طوري نفسك: الاهتمام بتطوير مهاراتك وشخصيتك يفيدك ويفيد العلاقة.
· لا تهملي نفسك: اهتمي بصحتك، مظهرك، وطموحاتك الشخصية.

6. إدارة الخلافات بحكمة

· اختاري الوقت المناسب للنقاش: ليس عندما يكون أي منكما غاضباً أو متعباً.
· ركزي على حل المشكلة: بدلاً من الفوز في النقاش أو إثبات الخطأ.
· تعلمي التسامح: لا تتصغري الأخطاء البسيطة، واعرفي متى تعتذرين ومتى تسامحين.

7. الحفاظ على الشعلة العاطفية

· خصصا وقتاً لبعضكما: مثل موعد أسبوعي، أو سفر قصير.
· تذكّرا ذكرياتكما الجميلة: وأعيدا تجربتها بين الحين والآخر.
· كوني مبتكرة: في التعبير عن حبك، لا تتركي الروتين يقتل المشاعر.

8. المرونة والتكيّف

· تقبّلي التغيرات: الناس يتغيرون مع الوقت، تقبّلي نموه وتطوره، وتوقعي نفس الشيء تجاهك.
· تعاملي مع الضغوط: كفريق واحد، خاصة في فترات العمل، أو الإنجاب، أو الأزمات المالية.
· اطلبي المساعدة عند الحاجة: استشيري مختصاً في العلاقات إذا شعرتما أن المشاكل معقدة.

9. الثقة والأمان

· كوني مصدر أمان له: دعمك وثقتك به يقويان ارتباطه بك.
· لا تتسرعي في الشك: ناقشي مخاوفك بوضوح إذا شعرت بعدم ارتياح.
· كوني جديرة بالثقة: في القول والفعل.

10. تذكّري أن الزواج شراكة

تذكير مهم: هذه نصائح عامة، وكل علاقة فريدة. النجاح يأتي من التفاهم المتبادل والتكيّف مع احتياجات شريكك وظروفكما الخاصة. إذا واجهت تحديات عميقة، لا تترددي في طلب استشارة متخصصة (مثل مرشد أسري أو معالج نفسي) فهي خطوة قوة وحكمةماذا أرد إذا سأل الخاطب أو أمه عن عيوبي؟ هل أخبره بها أم لا؟ لأني أخاف أن يركز عليها فيما بعد، وإذا كان الجواب لا، ماذا سيكون ردي له إذا سألني هذا السؤال؟ریلز

حقائق صادمة في علم النفس الجنسي

1 الشخص قد يفقد رغبته بسبب الإذلال أكثر من الخيانة الدماغ يسجل الإهانة كتهديد فيغلق مراكز الانجذاب تلقائيا.

2 الرغبة قد تتحول إلى نفور بدون وعي منك إذا ارتبطت بتوتر أو خوف متكرر، الدماغ يعيد برمجتها كخطر.

3 العقل قد ينجذب لمن يؤذيه نفسيا لأن الدماغ يخلط بين التوتر والشغف عند من عاشوا حرمانا عاطفيا.

4 التجاهل يقتل الرغبة أسرع من الرفض الدماغ يفسر التجاهل على أنه انعدام قيمة.

5 الاحترام يرفع الانجذاب أكثر من المديحالمديح لحظة الاحترام شعور أمان طويل الأمد.

٢,٨ ألف

6 الضغط النفسي يخفض الإحساس حتى لو الجسد سليم العقل المشغول لا يسمح بالاستمتاع أو التوازن.

7 الدماغ قد يعتاد على عدم الرغبة التجاهل الطويل للمشاعر يعيد ضبط الجهاز النفسي.

٢٦

الخوف من الفشل يمنع الاستجابة قبل أن تبدأ السلبي يوقف الإشارات العصبية.

۳۳۲

...

Hala Amrani مجرد التفكير السلبي !

إذا أتممت القراءة فصل وسلم على سيدنا محمد حقائق صادمة فيه علم النفس وضع من المزيد

أضف تعليقا.ما هي المادة والطاقة ؟ هل تعرف أي شيء عنهما حقاً ؟
أنت ترى بالتأكيد أمامك كومة من المواد ، التي تؤثر عليك ، وعلى جسدك ، وعلى صحتك … ترى بعض المواد يتصرف بذكاء وتعقيد ، وبعضها يتصرف بشكل حيوي يتغير مع البيئة ، وتسمي تلك المواد التي تتصرف على هذا النحو بالأحياء ، وما لا يصدر منه أي حركة أو تكون حركته منتظمة لا تتغير أو عشوائية تسميه جماداً.
ولكن ما هي المادة بالضبط ؟ ما الذي تراه … ما الذي تُدركه ؟ انظر أمامك الآن دون تصنيفات مسبقة ، لاحق حدود جهازك وحجرتك بعينيك ، لاحظ الخطوط الهندسية المنتظمة ، لاحظ إحساسك بالملمس ، وإحساس عينيك بالألوان والأشكال … حافظ على التركيز ، ولو لدقيقة واحدة ، ولو لعدة ثواني ، دون أن تبدأ بالتصنيف والحكم والتفسير … ستدرك أن معنى المادة كان غائباً عنك طوال حياتك التي قضيتها وأنت "تُفكر بالمادة" ولا تتحسسها.إذا وجدت نفسك حائر بين البعد والقرب ابعد أفضل لانك لست و مقتنع بهذا الشخص فالبعد أفضل

٦٥١

@user61517530378287

عبير

AV

لك ولهرائعةٌ هذه الكلمات! فهي تلمسُ جوهرَ الحبِّ الحقيقي:

الحبُّ ليس مُجرَّدَ كلماتٍ تَطيرُ مع النَّسيم،
بل هو لُغةٌ تُكتَبُ بأحرفِ الأفعالِ والوَقائع.

هو أنْ تَرى الهمَّ في عينيها فتحملهُ عن كاهلها،
وأنْ تَسمعَ صمتَها فتقرأ ما بين السُّطور.

هو أنْ تَكونَ ظِلَّاً في حرِّ الضُّنى،
ومَطرَاً في زَمنِ الجَفاف.

الحبُّ قصيدةٌ لا تُكتَبُ بالحبر،
بل ببَذْلِ الوَقْت، وبَذْلِ السَّماح،
وبِلُغةِ اللمسةِ في لحظةِ الضَّعف،
وبِلُغةِ الصَّبرِ عندما تَغيبُ الكلمات.

فكم من قصيدةٍ حُبٍّ رَسمناها بالكلام،
ولكنَّها ماتَتْ بين أيدينا لأنَّنا نَسِينا
أنْ نُوقِظَها كلَّ صباحٍ بفعلٍ،
وأنْ نُزيِّنَها كلَّ مساءٍ بتضحية.

كلمةُ "أُحِبُّكِ" هي البَذرة،
ولكنْ بدونِ سَقْيِ الوَقْتِ وحَرَثِ التَّضحية،
ستَبقى حَبيسةَ الأَرْض،
لن تَنمو، ولن تُزهر، ولن تُثمر.

فالحبُّ فعلٌ متواصلٌ،
وترجمةٌ يوميةٌ للنَّوايا الطَّيبة
إلى لغةِ الواقعِ والوجدان.عيونك تسحر كل كيانى
وشهدك يشفى قلبى ووجدانى
مش عارف لية بحبك تانى
انا واحد قلبة مش عادى
ولى زمانى وسابنى وحدانى
لية تهجر وقلبك ينسانى
بحبك بحبك يا نور زمانى
اهواك يا سعد ايامىبعضهم يفتح عينيه على اتّساعها، لكنه يغلق قلبه بإحكام، كأنّ الفهم جريمة، وكأنّ الحقيقة لعنة يخشونها أكثر من الجهل. تمرّ أمامهم العلامات، لا كألغازٍ مبهمة، بل كصواعق من نور، فيتراجعون إلى ظلالهم، يختبئون خلف الأعذار، ويقولون: "لم نرَ شيئاً."

...

Hala Amrani مجرد التفكير السلبي !

إذا أتممت القراءة فصل وسلم على سيدنا محمد حقائق صادمة فيه علم النفسعلى المسلم أن يكون همه إقامة الطاعة ، بحفظ أركانها وسننها والخشوع فيها والحضور مع اللّه فيها ، لا مجرد فعلها ليجد ثمرتها في روحه وقلبه ونفسه وسلوكه ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له »
فهذا هو المقصود من هذه الحكمة ، وذكرت الصلاة كمثال لأنها أكثر الفرائض وقوعا من المكلّف .من أجل أن يكون الفرد سليماً صحياً يجب الوقاية من المشاكل النفسية في مرحلة الطفولة والمراهقة قبل حدوثها، وإذا كان هناك مرض نفسي يجب أن يحل بالطريقة العلاجية الصحيحة. يلعب الطب النفسي للأطفال والمراهقين دورًا مهمًا في الحياة الصحية للشخص عندما يصل إلى فترة النضوج، ليكون واثقًا من نفسه، ولعلاج الأمراض النفسية في الفترة المبكرة. وبالمقارنة مع الفترات الماضية، فإن الطب النفسي للأطفال والمراهقين آخذ في التوسع على نطاق واسع في بلدنا وفي العالم. إنه مجال شامل للغاية. ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بجميع العلوم البيولوجية والاجتماعية والنفسية.كيف تتعلم أي شيء بسرعة

؟ ؟

توقف عن تعدد المهام وركز على مهمة واحدة تعدد المهام يوجه المعلومات الجديدة نحو أماكن خاطئة في الدماغ، فالتنقل بين المهام . يؤدي إلى إضاعة الوقت وتقليل الإنتاجية، لذا، من الأفضل التركيز على مهمة واحدة لتحقيق أفضل النتائج.

X@kitabwbs

لا تعيد اختراع العجلة ابحث عن شخص بارع في المهارات التي ترغب في تعلمها، ثم اتبع الطريقة التي اتبها. هذه الطريقة ستمكنك من تعلم الأشياء الجديدة في فترة زمنية قصيرة.

دع عقلك يسترخي : خذ بعض الوقت الاسترخاء، فهذا يسمح لعقلك . بأخذ فترات راحة يحتاجها النفس العميق أو السباحة أو المشي كلها أمور تساعد على استرخاح العقل وتجديد النشاط.

التكرار هو المفتاح المزيد من المحاولات المتكررة لتعلم شيء جديد يعزز من اكتساب المهارات الضرورية، مما يسهل تعلم الأشياء الجديدة مع مرور الوقت.

اربط المعرفة الجديدة بمعارف سابقة قم بربط المعلومات الجديدة بما ) تعلمته مسبقًا، فهذا يسهل على عقلك استيعاب المعلومات الجديدة -وتذكرها لاحقا بشكل أفضل.

Msearch
رجوع

الحكم العطائية من 01 الى 10 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
 
اتقوا الله ويعلمكم اللهديوان أعلام التصوف و أئمة الصوفية رضى الله عنهمالسادة المدرسة الشاذليةكتب الشيخ ابن عطاء الله السكندرياللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية ابن عطاء الله السكندري
power_settings_new قم بتسجيل الدخول للرد
الحكم العطائية من 01 الى 10 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
السبت 2 ديسمبر 2023 - 17:41
من طرف عبدالله المسافربالله
الحكم العطائية من 01 الى 10 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
الحكمة الأولى « 1 » [ من علامات الاعتماد على العمل ] « من علامات الاعتماد على العمل ، نقصان الرّجاء عند وجود الزّلل » .شرح الحكمة : إن الاعتماد على الشيء : هو الاستناد عليه والركون إليه . وقبل الشروع في بيان معنى الحكمة العام لا بد من الإشارة إلى انقسام الأعمال التي يقوم بها المكلّف إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : عمل الشريعة ويسمى الإسلام وهو الركن الأول من أركان الدين الكامل المشار إليه في قوله تعالى :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً[ المائدة : 3 ] .
القسم الثاني : عمل الطريقة أو السلوك ويسمى الإيمان وهو الركن الثاني من أركان الدين الكامل .
القسم الثالث : عمل الحقيقة ويسمى الإحسان ، وهو الركن الثالث من أركان الدين الكامل فالشريعة أو الإسلام لإصلاح الظواهر أي الجوارح ويتحقق بامتثال الأوامر الشرعية واجتناب النواهي . والطريقة أو الإيمان لإصلاح الضمائر القلب والنفس ويتحقق ذلك بتهذيب النفس وتخليتها من الرذائل وتربيتها وتحليتها بأنواع الفضائل .
والحقيقة أو الإحسان لإصلاح السرائر أي الأرواح ويتم ذلك بالأدب والتواضع والانكسار وحسن الخلق .
إن هذه الحكمة « من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل » تحث المسلم على عدم الاعتماد على أعماله الصالحة - سواء كانت من مقام الإسلام أو الإيمان أو الإحسان - بأن يغترّ بها ويركن إليها ، بل يجب عليه أن يعلق قلبه باللّه تعالى وبرحمته وفضله مصداقا لقوله تعالى :الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )[ النّحل : 42 ] فهذه الآية تشير إلى اعتماد العبد وتوكله على
.......................................................................
( 1 ) ورقمها ( 1 ) في النص الكامل للحكم .

ربه تعالى لا على عمله ، لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » قالوا :
ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه بفضله ورحمته » .
ذلك أن عمل الإنسان لا يكون معتبرا إلا إذا كان مقبولا ، وقبوله بمحض فضل اللّه تعالى هذا إضافة إلى أن أعمال العبد هي بتوفيق اللّه تعالى ومنّه . قال تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 )[ الصّافات : 96 ] 
فاللبيب من لا يعظم رجاؤه إذا ما كثرت أعماله الصالحة ، ولا يقنط من رحمة اللّه تعالى وييأس إذا ما قصّر في الطاعة أو وقع في المعصية :
قال الإمام الشافعي :يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم 
وقال الشيخ ابن عطاء اللّه السكندري :
ولا يمنعه ذنب من رجاء * فإن اللّه غفار الذنوب 
وقال الإمام البوصيري :
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه * أو يرجع الجار منه غير محترم 
وقال أيضا :
يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت * إن الكبائر في الغفران كاللمم
لعلّ رحمة ربي حين يقسمها * تأتي على حسب العصيان في القسم
يا رب واجعل رجائي غير منعكس * لديك واجعل حسابي غير منخرم 
ولا يظن أحد أن هذه الحكمة تقلل من أهمية الإكثار من الأعمال الصالحة بل هي تحذر الإنسان من الاعتماد عليها والركون إليها والغرور بها لكي لا ينقص رجاؤه إذا ما قصر يوما ما فييأس ويقنط من رحمة اللّه تعالى فيصدق في حقه قول اللّه تعالى :وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ[ الحجر : 56 ] .
فالأعمال الصالحة هي سبب رضي اللّه تعالى ورفع الدرجات في الجنة . فعلى المسلم أن يتمثل قول اللّه تعالى :الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )[ النّحل :
42 ] ويتمثل قول اللّه تعالى :لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً[ الزّمر : 53 ] .
الحكمة الثانية « 1 » « إرادتك التّجريد مع إقامة اللّه إيّاك في الأسباب من الشّهوة الخفيّة ، وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إيّاك في التّجريد انحطاط عن الهمّة العليّة » .شرح الحكمة : التجريد في اللغة : الإزالة ، تقول : جردت الثوب أزلته عني ، وجردت الجلد : أزلت شعره .
هذا هو معنى التجريد في اللغة ، وأما عند علماء التربية والسلوك فله معان عدة بحسب أقسامه الثلاثة :
القسم الأول : تجريد الظاهر ومعناه : ترك الأسباب الدنيوية التي تشغل الجوارح عن طاعة اللّه تعالى .
القسم الثاني : التجريد الباطني ومعناه : ترك العلائق النفسانية التي تشغل القلب عن الحضور مع اللّه تعالى .
والقسم الثالث : تجريد الظاهر والباطن معا ويقال له التجريد الكامل ويشمل المعنيين .
فيكون معنى التجريد التفرغ للعبادة والمراقبة مع ترك الأسباب الدنيوية ، كالعمل من أجل الكسب الحلال ، 
وعلى هذا فيكون معنى الحكمة في شطرها الأول ، أن الإنسان الذي أقامه اللّه تعالى في الأسباب أي : الأخذ في أسباب الرزق بأن يعمل ويجاهد سعيا وراء الكسب الحلال ليعيل نفسه وأهله وأولاده ، عليه أن يحمد اللّه تعالى الذي وفقه وأقامه في هذه الحالة ، لا أن يطلب من اللّه تعالى أن ينقله إلى مقام التجريد ليرتاح من عناء السعي وراء الكسب لما في ذلك من جهد ومشقة وتعب ، مدعيا أن ذلك يشغله عن العبادة ، لأن نفسه تريد من وراء هذا الطلب وهذا الادعاء أن ترتاح ، فيكون مطلبها من الشهوة الخفية ، وكون ذلك من الشهوة الخفية لعدم وقوف العبد مع مراد مولاه . 
وعليه أن يعلم أن ما هو فيه يعتبر عبادة وطاعة لقوله تعالى :أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ[ البقرة : 267 ] . 
وقوله تعالى :فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ[ الجمعة : 10 ] . ولقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« ما أكل
.......................................................................
( 1 ) ورقمها ( 2 ) في النص الكامل للحكم .

أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي اللّه داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده » « 1 » .
أما معنى الحكمة في شطرها الثاني وهو : وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية .
أي : من أقامه اللّه تعالى في خدمته ، بأن تفرّغ لتعلم العلم وتعليمه ، وانقطع بذلك عن كل ما يشغل الجوارح عن طاعة اللّه تعالى ، والقلب عن الحضور مع اللّه مصدقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما » .
وهو في حاله هذا عنده من الرزق ما يكفيه ويكفي عياله ، أو كان يأتيه رزقه يوما بعد يوم ، ثم أراد أن يترك مقام التجريد هذا فإنه يكون بذلك ضعيف الهمة ، لأن مقام التجريد يحتاج إلى قوة كبيرة من اليقين والصبر وجهاد النفس أثناء الذكر والعبادة وتحصيل العلوم الشرعية ودعوة الخلق وإرشادهم إلى الحق ، قال تعالى :وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 )[ فصّلت : 33 ] .
وقال تعالى :وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 )[ آل عمران : 104 ] . 
قال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير : « والذي يقتضيه الحقّ منك أن تمكث حيث أقامك حتى يكون الحق تعالى هو الذي يتولى إخراجك كما تولى إدخالك ، وجاء في شرح الحكم العطائية : « واعلم أن المتسبب والمتجرد عاملان للّه إذ كل واحد منهما حصل له صدق التوجه إلى اللّه تعالى حتى قال بعضهم : مثل المتجرد والمتسبب كعبدين للملك ، قال لأحدهما : اعمل وكل ، وقال لآخر : الزم أنت حضرتي وأنا أقوم لك بقسمتي ، ولكنّ صدق التوجه في المتجرد قد يكون أقوى لقلة عوائقه وقطع علائقه ، وقد يكون العكس هو الصحيح وذلك يختلف باختلاف الأشخاص .
.......................................................................
( 1 ) رواه البخاري : كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده حديث رقم ( 2072 ) .


الحكمة الثالثة [ في عزلة ] « ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة » « 2 » .
 ( 2 ) ورقمها ( 12 ) في النص الكامل للحكم .شرح الحكمة : هذه الحكمة تشير إلى الحديث الشريف : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » .
إنّ هذا الحديث يبين لنا أن قلب الإنسان هو الأساس ، وإذا كان الأساس سليما يكون البناء الذي هو الجسد سليما ، وهذه الحكمة تبين لنا أن العزلة تنفع في صلاح القلب وتساعده على الاعتبار والتفكر في الكون والمكوّن ، وذكر العلماء عشرة فوائد للعزلة :
الأولى : السلامة من آفات اللسان ، فإن من كان وحده لا يجد معه من يكلمه 
وقد جاء في الخبر : « رحم اللّه عبدا سكت فسلم أو تكلم فغنم » 
وورد أيضا : « أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ، وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لا يعنيه » .
الفائدة الثانية : حفظ البصر والسلامة من آفات النظر ، قال محمد بن سيرين :
إياك وفضول النظر فإنها تؤدي إلى فضول الشهوة » .
الفائدة الثالثة : حفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة وغيرهما ، قال بعض الحكماء : من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم وقع في ما وقعوا فيه فهلك كما هلكوا .
الفائدة الرابعة : حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها ، وبذلك يحقق حب اللّه تعالى وحب الناس له ، مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه وازهد في ما في أيدي الناس يحبك الناس » .
الفائدة الخامسة : السلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال ، وفي مخالطتهم فساد عظيم وخطر جسيم ، لأن الصاحب ساحب ، وكما ثبت في الحديث : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » .
الفائدة السادسة : التفرغ للعبادة والذكر والعزم على التقوى والبر ، فالعبد إذا كان وحده تفرّغ لعبادة ربه وانجمع عليها بجوارحه وقلبه وعقله لعدم وجود من يشغله عن ذلك .
الفائدة السابعة : وجدان حلاوة الطاعات ولذيذ المناجاة لفراغ سره عن الأغيار التي تشغله عن مولاه .
الفائدة الثامنة : راحة القلب والبدن ، فإن في مخلاطة الناس ما يوجب تعب القلب .
الفائدة التاسعة : صيانة نفسه ودينه من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة ، فإن النفس تسارع في الخوض في مثل ذلك إذا اجتمعت بأرباب الدنيا وزاحمتهم فيها ، والعزلة تحميه من ذلك .
الفائدة العاشرة : التمكن من عبادة التفكر والاعتبار ، نقل عن سيدنا عيسى عليه السلام قوله : « طوبى لمن كان كلامه ذكرا ، وصمته تفكرا ونظره عبرة » 
ونقل عن الحسن قوله : «الفكرة تريك حسنك من سيئك ويطلع بها على عظمة اللّه تعالى وجلاله إذا تفكر في آياته ومصنوعاته».
قال الشيخ ابن عباد النفري : « هذه ثمرات عزلة أهل البداية ، وأما أهل النهاية فعزلتهم مصحوبة معهم ولو كانوا وسط الخلق ، لأنهم حاضرون مع اللّه تعالى على الدوام استوت عندهم الخلوة والخلطة .
ولما للخلوة من أهمية في حياة المريد السالك إلى اللّه تعالى انطلاقا من تحققه في مقامات الدين الكامل الإسلام والإيمان والإحسان وإتماما للفائدة نذكر ملخصا عن كل ما يتعلق بالخلوة من فوائد وأسرار عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي كما ذكرها في كتابه ( الفتوحات المكية ) حيث يقول : 
« اعلم وفقنا اللّه وإياكم أن الخلوة أصلها في الشرع : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » فهذا حديث إلهيّ صحيح يتضمن الخلوة والجلوة ، وأصل الخلوة من الخلاء الذي وجد فيه العالم : [ الرجز ]فمن خلا ولم يجد فما خلا * فهي طريق حكمها حكم البلا
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه ». 
وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : « كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء » ثم خلق الخلق وقضى القضية وفرغ من أشياء وهوكُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[ الرحمن : 29 ] وسيفرغ من أشياء ثم يعمر المنازل بأهلها إلى الأبد .
الخلوة أعلى المقامات وهو المنزل الذي يعمره الإنسان ويملؤه بذاته فلا يسعه معه فيه غيره ، فتلك الخلوة ونسبتها إليه ، ونسبته إليها نسبة الحق إلى قلب العبد الذي وسعه ولا يدخله ، وفيه غير بوجه من الوجوه الكونية فيكون خاليا من الأكوان كلها فيظهر فيه بذاته ، ونسبة القلب إلى الحق أن يكون على صورته فلا يسع فيه سواه ، وأصل الخلوة في العالم الخلاء الذي ملأه العالم ، فأوّل شيء ملأه الهباء وهو جوهر مظلم ملأ الخلاء بذاته ثم تجلّى له الحق باسمه النور فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة وهو العدم فاتصف بالوجود فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به وكان ظهوره به على صورة الإنسان ، وبهذا يسميه أهل اللّه الإنسان الكبير ، وتسمى مختصره الإنسان الصغير لأنه موجود أودع اللّه فيه حقائق العالم الكبير كلها ، فخرج على صورة العالم مع صغر جرمه ، والعالم على صورة الحق ، فالإنسان على صورة الحق وهو قوله : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » . . .
فالإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير ، ثم انفتحت في العالم صور الأشكال من الأفلاك والعناصر والمولدات فكان الإنسان آخر مولد في العالم أوجده اللّه جامعا لحقائق العالم كله وجعله خليفة فيه فأعطاه قوّة كل صورة موجودة في العالم ، فذلك الجوهر الهبائيّ المنصبغ بالنور وهو البسيط ، وظهور صور العالم فيه هو الوسيط ، والإنسان الكامل هو الوجيز ، قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ فصلت : 53 ] 
ليعلموا أن الإنسان عالم وجيز من العالم يحوي على الآيات التي في العالم فأوّل ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لأن العالم قبله كما قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ[ فصلت : 53 ] 
ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه . . .
فأبانت له رؤية تلك الآيات التي في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك ، فالآيات هي الدلالات له على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم ، فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة ، فإنه ما ثم جملة واحدة ، ولهذا تمّم تعالى في التعريف فقال :أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعيان العالم شَهِيدٌ[ فصلت : 53 ] على التجلي فيه والظهور ، وليس في قوّة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا أن لا يكون مظهرا وهو المعبر عنه بالإمكان ، فلو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات ، ثم تمّم وقال :إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من العالم مُحِيطٌ[ فصلت : 54 ] والإحطاة بالشيء تستر ذلك الشيء فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشيء ، فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره فصار ذلك الشيء وهو العالم في المحيط كالروح للجسم ، والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم . . .
ثم إنه لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه ، وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما ولا بغير ذلك ، فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه . . .
فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين . . .
قال بعضهم لصاحب خلوة : اذكرني عند ربك في خلوتك ، فقال له : إذا ذكرتك فلست معه في خلوة . 
ومن هنا تعرف قوله تعالى : « أنا جليس من ذكرني » فإنه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه إن كان المذكور ذا صورة في اعتقاده أحضره في خياله ، وإن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوّة الذاكرة ، فإن القوّة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني ، والقوّة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس أو ما تركبه القوّة المصوّرة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بدّ من ذلك ليس لها تصرّف إلّا به ، فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظيّ ، فأوّل خلوته الذكر الخياليّ وهو تصوّر لفظة الذكر من كونه مركبا من حروف رقمية ولفظية يمسكها الخيال سمعا أو رؤية فيذكر بها من غير أن يرتقي إلى الذكر المعنويّ الذي لا صورة له وهو ذكر القلب ، ومن الذكر القلبيّ ينقدح له المطلوب والزيادة من العلوم ، وبذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له ، وأنشأها الحسّ في خياله في نوم ويقظة وغيبة وفناء ، فيعلم ما رأى وهو علم التعبير للرؤيا » .
ويتابع الشيخ الأكبر رحمه اللّه تعالى حديثه عن الخلوة وأسرارها إلى أن يذكر لنا بعض أصناف السالكين الذين يدخلون الخلوة مبيّنا الأسباب التي من أجلها دخلوا الخلوة فيقول : « ومنهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم ، وهذا لا يكون إلّا للذين يأخذون العلم من أفكارهم ، فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية وهو ميزان لطيف أدنى هواء يحرّكه فيخرجه عن الاستقامة فيتخذون الخلوات ويسدّون مجاري الأهواء لئلا تؤثر في الميزان حركة تفسد عليهم صحة المطلوب ، ومثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل اللّه وإنما لهم الخلوة بالذكر ليس للفكر عليهم سلطان ولا له فيهم أثر ، وأيّ صاحب خلوة استنكحه الفكر في خلوته فليخرج ويعلم أنه لا يراد لها وأنه ليس من أهل العلم الإلهيّ الصحيح ، إذ لو أراده اللّه لعلم الفيض الإلهي لحال بينه وبين الفكر .
ومنهم من يأخذ الخلوة لما غلب عليه من وحشة الأنس بالخلق فيجد انقباضا في نفسه برؤية الخلق حتى أهل بيته ، حتى أنه ليجد وحشة الحركة فيطلب السكون فيؤدّيه ذلك إلى اتخاذ الخلوة . 
ومنهم من يتخذ الخلوة لاستحلاء ما يجد فيها من الالتذاذ ، وهذه كلها أمور معلومة لا تعطي مقاما ولا رتبة ، وصاحب الخلوة لا ينتظر واردا ولا صورة وشهودا ، وإنما يطلب علما بربه فوقتا يعطيه ذلك في غير مادّة ، ووقتا يعطيه ذلك في مادة ، ويعطيه العلم بمدلول تلك المادة .
هذا ومن أراد التوسع في معرفة الخلوة وفوائدها وأسرارها وأهميتها في حياة الفرد المسلم السالك إلى اللّه تعالى فليرجع إلى الجزء الثالث والتسعين ، من الباب الثامن والسبعين في معرفة الخلوة . 
وليرجع إلى كتاب « الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر في الخلوة من الأنوار » المتن للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي والشرح للشيخ عبد الكريم الجيلي رحمهما اللّه تعالى .


الحكمة الرابعة « 1 » : « ادفن وجودك في أرض الخمول ، فما نبت ممّا لم يدفن لا يتمّ نتاجه » .شرح الحكمة : هذه الحكمة تحث الإنسان على عدم التصدر للخلق بالإرشاد والنصح من أجل الشهرة قبل أن يزكي نفسه بالأخلاق الحميدة ، وينمي عقله بالعلم الغزير فإذا ما فعل ذلك استفاد منه الخلق وأثمرت شجرته .
فإنه لا شيء أضر على النفس من الشهرة قبل بناء الشخصية البناء الصحيح لذلك قالوا : حب الظهور يقسم الظهور . وقالوا : كل ظهور يتبعه عداوة . 
وقال إبراهيم بن أدهم : « ما صدق اللّه من أحب الشهرة » . 
وقال رجل لبشر بن الحارث وهو من أصحاب الفضيل بن عياض : « أوصني . فقال له : أخمل ذكرك وأطب مطعمك » . وهذا كله لكي لا يدخل الرياء إلى قلبه فيحبط عمله .
ولا يظن أحد أن هذه الحكمة تدعو إلى السلبية والانهزام ، بل هي على العكس من ذلك فإنها تدعو إلى العزلة المؤقتة التي تسمح للإنسان بالتحصيل العلمي وتزكية النفس . فالعلم والأخلاق شرطان أساسيان لمن أراد أن يتصدر لتعليم الخلق ونصحهم لكي يؤثر عمله إيجابا في الناس ويستفيدوا منه ، فيحصل النفع وتتم الفائدة . 
فكما أن من شرط إثمار الشجرة دفن البزرة في الأرض فمن شرط إنتاج المرشد أن يعزل نفسه مدة من الزمان تساعده على تحصيل العلم والأخلاق المطلوبين في عمله الإرشادي التعليمي .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 11 ) في النص الكامل للحكم .
 
الحكمة الخامسة: « اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك ، دليل على انطماس البصيرة منك » « 1 ».شرح الحكمة : أن الشيء الذي ضمنه اللّه تعالى لنا هو الرزق وذلك في قوله تعالى :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] وقوله تعالى :وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ[ العنكبوت : 60 ] 
والآيات القرآنية في ذلك كثيرة . وإن الشيء الذي طلبه الحق تعالى من الخلق هو العبادة ، والآيات في ذلك كثيرة أيضا منها قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ[ البقرة : 21 ] 
وتمام هذه الآية قوله تعالى :* وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 )[ هود : 6 ] .
فعلى الإنسان أن لا يبذل كل وسعه في جلب الرزق الذي كفله اللّه له ، ويترك أو يقصر في عبادة اللّه تعالى التي طلبها الحق تعالى منه ، لأنه إذا فعل ذلك يكون مطموس البصيرة .
والبصيرة هي نظر القلب ، كما أن البصر هو نظر العين وبالبصيرة ينظر الإنسان إلى الأمور المعنوية كما أنه بالبصر ينظر إلى الأمور الحسية . 
وهذا الذي ذكرته الحكمة من انطماس البصيرة يتحقق باجتماع الأمرين : الاجتهاد في طلب الرزق المضمون والتقصير في طلب العبادة المطلوبة ، أما إذا طلب الرزق الحلال من غير تقصير في العبادة فهذا عين الحكمة . 
قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من بات كالا من طلب الحلال بات مغفورا له » رواه الطبراني في الأوسط .
فعلى الإنسان أن يكون عاقلا حكيما ينظر ببصره إلى الدنيا فيأخذ منها ما يحتاجه في سيره إلى الآخرة التي ينظر إليها ببصيرته فيجتهد في طلبها ويجد ، قال تعالى :وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 )[ النّجم : 39 ] 
وقال تعالى :وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 )[ الضّحى : 4 ] .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 5 ) في النص الكامل للحكم .



الحكمة السادسة: « الأعمال صور قائمة ، وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها »« 1 » .شرح الحكمة : إن الأعمال المقصودة في هذه الحكمة هي العبادات المطالبين بإقامتها ، وهي نوعان : جسمانية وقلبية . 
شبّهتها الحكمة بالصور الحسية والمعنوية أيضا لأن الصورة هي ما يرى في النظر ويتشخص في الذهن من الكيفيات . 
والروح : هو السر المودع في الحيوانات ، والمراد به هنا الكمال المعتبر في الأعمال . 
والإخلاص : هو إفراد القلب لعبادة الرب . 
وسره : لبه وهو الصدق المعبّر عنه بالتبري من الحول والقوة إذ لا يتم إلا به .
وعلى ذلك يكون معنى الحكمة أن الأعمال التي يفعلها الإنسان ليتقرب بها إلى اللّه تعالى سواء كانت من الفرائض أو الواجبات أو السنن أو النوافل ليست معتبرة إلا إذا قرنها صاحبها بالإخلاص .
إن الأعمال كالأجساد ، وأرواحها وجود الإخلاص فيها ، فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح وإلا كانت ميتة ، كذلك لا قيام للأعمال - سواء كانت بدنية أو قلبية - إلا بوجود الإخلاص فيها وإلا كانت صورا قائمة وأجسادا خاوية لا حياة فيها ولا روح .
إن اللّه تعالى أمرنا أن نعبده ونحن مخلصون له لكي نستفيد من هذه العبادة ونشعر بحلاوتها وينتفي عنا الرياء المحبط للأعمال ، قال اللّه تعالى :وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ[ البيّنة : 5 ] ، 
وقال تعالى :قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 )[ الزّمر : 11 ] ، 
وقال تعالى :إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 2 )[ الزّمر : 2 ] .
والإخلاص ينقسم إلى ثلاثة أقسام : إخلاص مقام الإسلام ، وهو إخلاص العوام الذين يطلبون الحظوظ الدنيوية والأخروية .
وإخلاص مقام الإيمان، وهو إخلاص المتقين، وأعمالهم من أجل الحظوظ والسعادة الآخروية فقط ، وهي خالية عن الرياء الجلي.
وإخلاص مقام الإحسان ، وهو إخلاص المحبين والمقربين ، وأعمالهم خالصة من الرياء الجلي والخفي ، وهي للّه تعالى إجلالا وتعظيما وعبودية دون طمع في جنة أو خوف من نار كما قالت السيدة رابعة العدوية :
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 10 ) في النص الكامل للحكم .

كلهم يعبدوك من خوف نار * ويرون النجاة حظا جزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا * بقصور ويشربوا سلسبيلا
ليس لي بالجنان والنار حظ * أنا لا أبتغي بحبي بديلافنسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لأن تكون أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم .


الحكمة السابعة « 1 » « إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النّفس » .شرح الحكمة : إن الإنسان دائم الانشغال بدنياه ، ومشاغل الدنيا لا تنقضي ، وذلك لأن الإنسان لا يشبع منها مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى أن يكون له واديان ، وما ملأ جوف ابن آدم إلا التراب »
قال الشاعر :
نروح ونغدو لحاجاتنا * وحاجات من عاش لا تنقضي
وقال آخر :فما قضى أحد منها لبانته * ولا انتهى أرب إلا إلى أرب 
فهذه الحكمة تحذر الإنسان من تأخير الأعمال الصالحة التي طالبه بها الحق تعالى من أجل سعادته الأخروية إلى أن يتفرغ من مشاغل الدنيا ، فإن هذا التفكير وهذا التسويف هو من رعونات نفسه أي من حمقها ، لأن النفس أمّارة بالسوء فهي لا تشبع من الدنيا وشهواتها . والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول :
« الكيّس ( العاقل ) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » .
وقديما قالوا : الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك .
وروى الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف موقوفا على بكر المزني : « ما من يوم أخرجه اللّه إلى أهل الدنيا إلا ينادي : ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي . 
ولا ليلة إلا تنادي : ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي » .
فالإنسان العاقل لا يؤثر الدنيا على الآخرة بتأجيله الأعمال الصالحة إلى وقت فراغه . قال تعالى :بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 )[ الأعلى :الآيتان 16 ، 17 ] . 
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 18 ) في النص الكامل للحكم .
ومما قيل في ذلك : « ألا وإن من علامة العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكنى القبور والتأهب ليوم النشور » .
فعلى الإنسان أن يكون كيّسا فطنا ثاقب الذهن فيبادر إلى انتهاز الفرصة في الأعمال الصالحة قبل أن يفاجئه الأجل المحتوم فيندم على ما فرط في جنب اللّه سبحانه وتعالى .


الحكمة الثامنة « 1 » : « لا تستغرب وقوع الأكدار ، ما دمت في هذه الدّار ، فإنّها ما أبرزت إلّا ما هو مستحقّ وصفها وواجب نعتها » .شرح الحكمة : إن هذه الحكمة تنبه المسلم على عدم استغرابه وقوع البلايا والمصائب به ما دام في هذه الحياة الدنيا . قال تعالى :وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[ الأنبياء : 35 ] . 
قال الإمام البغوي في تفسيره شارحا هذه الآية : « الشر والخير هما الشدة والرخاء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر » . 
وقال تعالى :الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( 2 )[ الملك : 2 ] .
إن صدور الأكدار التي تؤلم النفس وتكدرها من الدنيا شيء طبيعي ، لأنه وصف تستحقه الدنيا ويجب أن توصف به .
ومما قيل في ذلك : « أيها الناس : إن هذه الدار دار تواء ( هلاك ) ، لا دار استواء ، ومنزل ترح ( حزن ) لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخائها ولم يحزن لشقائها ، ألا وإن اللّه خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ، وإنها لسريعة التوى وشيكة الانقلاب ، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى اللّه خرابها ، ولا تواصلوها وقد أراد اللّه منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين » .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 24 ) في النص الكامل للحكم .

قال الإمام جعفر الصادق رضي اللّه تعالى عنه : « من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل له : وما ذاك ؟ قال : الراحة في الدنيا » وفي هذا المعنى قال الشاعر :
تطلب الراحة في دار العناء * خاب من يطلب شيئا لا يكون
وقال أحد الصالحين : « ملتمس السلامة في دار المتالف والمعاطب كالمتمرغ على مزاحف الحيّات ومداب العقارب » .
فلا تتعجب أيها الإنسان من نزول الأكدار الدنيوية بك ، فهذا هو شأن الدنيا .
قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » .
فعليك أن تهيئ نفسك على توقع استقبال المحن ، وتستعين على دفع ذلك بالصبر والرضا عند وقوع القضاء . قال اللّه تعالى :إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ[ الزّمر : 10 ] 
وقال تعالى :وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ[ البقرة : 45 ] 
وورد شعرا :وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها * عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر.


الحكمة التاسعة « 1 » : «ما توقّف مطلب أنت طالبه بربّك، ولا تيسّر مطلب أنت طالبه بنفسك ».شرح الحكمة : إن كل إنسان يحب أن تكون أموره متيسرة متحققة الوقوع ، وهذه الحكمة تنبه المسلم على أنه إذا أراد إنجاز مطالبه وتسهيلها عليه لا بد أن يطلب قضاءها باللّه تعالى ، أي بأن يستند إلى اللّه تعالى في تيسيرها . 
فمن أنزل حوائجه باللّه تعالى والتجأ إليه وتوكل عليه كفاه اللّه تعالى مؤنتها وقربها إليه ويسرها عليه ، وعلامة ذلك كما يقول الشيخ أحمد زروق : « ثلاثة : التفويض في المراد ، والتوكل في التحصيل ، والاستقامة في التوجه ، فإذا تمت هذه الأشياء فالمطلب متيسر ، سواء وجد أم لم يوجد ، لأن المقصود تبريد حرقة الاحتياج ، ولا بقاء لها مع التفويض ( إلى اللّه تعالى والاعتماد والتوكل عليه ) لأن عاقبته الرضا في الوجود والعدم » .
قال تعالى :وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ( 3 )[ الطلاق : 2 ، 3 ] .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 25 ) في النص الكامل للحكم .

فالذي يعتمد على ربه تعالى في طلبه الأشياء تتحقق له الأشياء . قال اللّه تعالى :قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 )[ الأعراف : 128 ] .
أما الإنسان الذي يطلب الأشياء بالاعتماد على نفسه في تحصيل مراده بأن يعتمد على عقله وقوته وتدبيره وينسى اللّه تعالى ، فإنه سيفشل في تحقيق ما أراد وقوعه وسيرى أن أموره تتعسر ، 
وعلامة ذلك كما يقول الشيخ أحمد زروق : « حب الموافقة - لمراده - من غير تفويض إلى اللّه تعالى ، وأن يعتمد على الأسباب من غير توكل على اللّه تعالى ، والتهور في التحصيل دون تقوى ولا استقامة ، وكلها تعود عليه بالضرر في الوجود والعدم ، فالمطلب وإن تيسر بها صورة فهو حرمان في الحقيقة ، لما فيه من نسيان الشكر ومفارقة الحق والاعتماد على الخلق » .
فعلى الإنسان أن يطلب الأشياء باللّه تعالى لتتيسر ولا يطلبها بنفسه لكي لا تتوقف وتتعسر .
قال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير في إسقاط التدبير : « وما أدخلك اللّه فيه تولى إعانتك عليه ، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه » قال تعالى :وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 )[ الإسراء : 80 ] .


الحكمة العاشرة « 1 » : « تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب ، خير لك من تشوّفك إلى ما حجب عنك من الغيوب » .شرح الحكمة : نمهد لشرح الحكمة بالقول : إن الإنسان كائن صغير في حجمه كبير في حقيقته ، فهو مركب من مادة ومعنى وهما يشكلان مجموع جسم الإنسان وعقله وقلبه ونفسه وروحه ، والنفس مليئة بالعيوب بدليل قول اللّه تعالى :إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ[ يوسف : 53 ] فهي تميل إلى الدنيا بشهواتها ، وهذا يدفعها إلى معصية اللّه تعالى والتخلق بالأخلاق الذميمة . 
وإن الروح تميل إلى عالم الملكوت فهي دائمة التشوف والتطلع إليه . 
فهذه الحكمة تحث المسلم على النظر فيما غاب عنه من عيوب نفسه ليتجنبها بدلا من أن يتطلع ويتشوف إلى ما خفي واستتر عنه من عالم الملكوت .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 32 ) في النص الكامل للحكم .
وإنّ عيوب الإنسان كثيرة ؛ منها ما هو نفسي ومنها ما هو قلبي ومنها ما هو روحي .
وإن عيوب النفس وأمراضها منها ما هو ظاهر جلي كحب الشهوات الدنيوية من مأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن ومنكح ، ويدخل فيها الغيبة والنميمة والغش والكذب وغير ذلك .
ومنها ما هو باطن خفي ، ويسمى بالأمراض القلبية كحب التسلط على الخلق بالرياسة وحب العز والجاه والمداهنة والكبر والعجب والرياء والحسد والحقد وغير ذلك .
وأما العيوب المنسوبة إلى الروح ، فهي تعلقها بالحظوظ الباطنية كحب الاطلاع على المغيبات والأسرار الملكوتية وطلب الكرامات والمقامات وغير ذلك .
فالإنسان العاقل هو الذي يتطلع ويتشوف إلى الاشتغال بعيوبه النفسية والقلبية والروحية ، فيعمل جهده في التخلص منها ، فيقوم بحقوق عبوديته للّه تعالى ، فإن هذا خير له من التطلع والتشوف إلى ما حجب عنه من غيوب الملكوت ، لأن اشتغاله بذلك يمنعه من القيام بحقوق الربوبية للّه تعالى 
وفي ذلك قال العارفون باللّه تعالى : « كن طالب الاستقامة ولا تكن طالب الكرامة ، فإن نفسك تدفعك لطلب الكرامة ، ومولاك يطالبك بالاستقامة ، ولأن تكون بحق ربك أولى من أن تكون بحظ نفسك » .
فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا ممن يهتم بعيوب نفسه فيعمل على تطهيرها من الأخلاق الرديئة بدلا من الاهتمام بما حجب عنا من مغيبات لنتحقق بقوله تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 )[ الشّمس : 9 ، 10 ] ، 
فندخل في قوله تعالى :يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 )[ الفجر : 27 - 30 ] .
* * *
عبدالله المسافربالله يعجبه هذا الموضوع

thumb_up1أعجبنيthumb_downلم يعجبني
removeمواضيع مماثلة
الحكم العطائية من 11 الى 20 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
الحكم العطائية من 21 الى 30 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
المقدمة لكتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري
رسائل الشيخ ابن عطاء الله السكندري لبعض إخوانه .كتاب غيث المواهب العلية فى شرح الحكم العطائية
power_settings_new قم بتسجيل الدخول للرد
الرئيسية
جديد المنتدى
دخولالعبد يجب أن يعلم أن الله تعالى رحيم به ولا يريه إلا الخير ، وما يأتيه من ابتلاء فلا يقصد به الإيلام لقوله تعالى :(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا )، وإنما يقصد به أن يتعرف على الله بكل صفاته ، وما يكرهه الإنسان قد يكون فيه الخير له ، وما يأتي من الله ففيه الخير للعبد لأن الله تعالى قد عود العبد على حسن الاختيار ، ويجب على ذلك العبد أن ‏يحسن الظن بالله تعالى .خمسة لا تصح صحبتهم : الجاهل بالدين ، والذي يسقط حرمة المسلمين ، والذي يخوض فيما لا يعنيه ، والذي يتبع الهوى في كل شيء فهو صاحب بدعة ، وسئ الخلق »بخصوص مفهوم "مركز الطاقة" في الإنسان، تجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم ليس له أساس في العلوم الطبية الحديثة (الفيزيولوجيا أو التشريح)، ولكنه شائع في بعض الفلسفات والطب التقليدي والأنظمة الروحية. إليك أبرز التصورات حسب هذه المعتقدات:

1. منظور الطب الصيني التقليدي والثقافات الآسيوية:
   · الـ "دانتين" (Dantian) يُعتبر مركز الطاقة الرئيسي، ويوجد ثلاثة مراكز رئيسية:
     · الدانتين السفلي (أسفل البطن، تحت السرة): يعتبر مخزون الطاقة الحيوية (تشي) ومركز القوة الجسدية والاستقرار.
     · الدانتين الأوسط (منطقة الصدر، عند القلب): مرتبط بالمشاعر والحب.
     · الدانتين العلوي (وسط الرأس أو بين الحاجبين): مرتبط بالوعي الروحي والعقل.
2. منظور اليوغا والفلسفات الهندية:
   · الشاكرات (Chakras) وهي مراكز طاقة غير مادية موزعة على طول العمود الفقري، وأشهرها:
     · شاكرا الجذر (أسفل العمود الفقري): للأمان والبقاء.
     · شاكرا القلب (وسط الصدر): للمشاعر والعطاء.
     · شاكرا التاج (أعلى الرأس): للاتصال الروحي.
   · يُذكر أحيانًا أن الشاكرا الثالثة (الضفيرة الشمسية)، أعلى البطن، هي مركز القوة الشخصية والثقة.
3. منظور الطب العربي القديم والطب الأيورفيدي:
   · هناك تركيز على القلب كمركز للروح والحياة، أو الدماغ كمركز للقوى النفسية.
4. منظور بعض الممارسات الروحية الغربية:
   · القلب يُرى غالبًا كمركز للمشاعر والطاقة الروحية.
5. منظور إسلامي:
   · لا يوجد مفهوم "مركز الطاقة" بالمعنى الفلسفي الشائع، ولكن بعض المتصوفة يتحدثون عن القلب كمركز للإيمان والإدراك الروحي (قلبٌ معنوي وليس العضو الجسدي فقط). هذا التصور شخصي وليس مُعتمدًا من قبل جميع العلماء.

ملاحظة علمية:

· طبياً، لا يوجد عضو أو نسيج في الجسم يختزن "طاقة روحية" قابلة للقياس بالمعدات العلمية الحالية. المفاهيم المذكورة أعلاه هي جزء من معتقدات تقليدية أو روحية، ويجب التمييز بينها وبين الوظائف البيولوجية المعروفة مثل دور الدماغ في التحكم بالجسم، أو الميتوكوندريا في الخلايا المنتجة للطاقة الكيميائية (ATP).

إذا كنت تبحث عن تطبيقات عملية مثل التأمل أو اليوغا، فالفهم التقليدي لهذه المراكز قد يساعد في التركيز الذهني والاسترخاء، لكن ينصح بعدم الاعتماد عليها لعلاج الأمراض دون الرجوع إلى الطب المبني على الأدلة.search

رجوع

الحكم العطائية من 01 الى 10 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي

اتقوا الله ويعلمكم اللهديوان أعلام التصوف و أئمة الصوفية رضى الله عنهمالسادة المدرسة الشاذليةكتب الشيخ ابن عطاء الله السكندرياللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية ابن عطاء الله السكندري

power_settings_new قم بتسجيل الدخول للرد

الحكم العطائية من 01 الى 10 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي

السبت 2 ديسمبر 2023 - 17:41

من طرف عبدالله المسافربالله

الحكم العطائية من 01 الى 10 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

الحكمة الأولى « 1 » [ من علامات الاعتماد على العمل ] « من علامات الاعتماد على العمل ، نقصان الرّجاء عند وجود الزّلل » .شرح الحكمة : إن الاعتماد على الشيء : هو الاستناد عليه والركون إليه . وقبل الشروع في بيان معنى الحكمة العام لا بد من الإشارة إلى انقسام الأعمال التي يقوم بها المكلّف إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : عمل الشريعة ويسمى الإسلام وهو الركن الأول من أركان الدين الكامل المشار إليه في قوله تعالى :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً[ المائدة : 3 ] .

القسم الثاني : عمل الطريقة أو السلوك ويسمى الإيمان وهو الركن الثاني من أركان الدين الكامل .

القسم الثالث : عمل الحقيقة ويسمى الإحسان ، وهو الركن الثالث من أركان الدين الكامل فالشريعة أو الإسلام لإصلاح الظواهر أي الجوارح ويتحقق بامتثال الأوامر الشرعية واجتناب النواهي . والطريقة أو الإيمان لإصلاح الضمائر القلب والنفس ويتحقق ذلك بتهذيب النفس وتخليتها من الرذائل وتربيتها وتحليتها بأنواع الفضائل .

والحقيقة أو الإحسان لإصلاح السرائر أي الأرواح ويتم ذلك بالأدب والتواضع والانكسار وحسن الخلق .

إن هذه الحكمة « من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل » تحث المسلم على عدم الاعتماد على أعماله الصالحة - سواء كانت من مقام الإسلام أو الإيمان أو الإحسان - بأن يغترّ بها ويركن إليها ، بل يجب عليه أن يعلق قلبه باللّه تعالى وبرحمته وفضله مصداقا لقوله تعالى :الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )[ النّحل : 42 ] فهذه الآية تشير إلى اعتماد العبد وتوكله على

.......................................................................

( 1 ) ورقمها ( 1 ) في النص الكامل للحكم .

ربه تعالى لا على عمله ، لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » قالوا :

ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه بفضله ورحمته » .

ذلك أن عمل الإنسان لا يكون معتبرا إلا إذا كان مقبولا ، وقبوله بمحض فضل اللّه تعالى هذا إضافة إلى أن أعمال العبد هي بتوفيق اللّه تعالى ومنّه . قال تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 )[ الصّافات : 96 ]

فاللبيب من لا يعظم رجاؤه إذا ما كثرت أعماله الصالحة ، ولا يقنط من رحمة اللّه تعالى وييأس إذا ما قصّر في الطاعة أو وقع في المعصية :

قال الإمام الشافعي :يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم

وقال الشيخ ابن عطاء اللّه السكندري :

ولا يمنعه ذنب من رجاء * فإن اللّه غفار الذنوب

وقال الإمام البوصيري :

حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه * أو يرجع الجار منه غير محترم

وقال أيضا :

يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت * إن الكبائر في الغفران كاللمم

لعلّ رحمة ربي حين يقسمها * تأتي على حسب العصيان في القسم

يا رب واجعل رجائي غير منعكس * لديك واجعل حسابي غير منخرم

ولا يظن أحد أن هذه الحكمة تقلل من أهمية الإكثار من الأعمال الصالحة بل هي تحذر الإنسان من الاعتماد عليها والركون إليها والغرور بها لكي لا ينقص رجاؤه إذا ما قصر يوما ما فييأس ويقنط من رحمة اللّه تعالى فيصدق في حقه قول اللّه تعالى :وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ[ الحجر : 56 ] .

فالأعمال الصالحة هي سبب رضي اللّه تعالى ورفع الدرجات في الجنة . فعلى المسلم أن يتمثل قول اللّه تعالى :الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )[ النّحل :

42 ] ويتمثل قول اللّه تعالى :لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً[ الزّمر : 53 ] .

الحكمة الثانية « 1 » « إرادتك التّجريد مع إقامة اللّه إيّاك في الأسباب من الشّهوة الخفيّة ، وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إيّاك في التّجريد انحطاط عن الهمّة العليّة » .شرح الحكمة : التجريد في اللغة : الإزالة ، تقول : جردت الثوب أزلته عني ، وجردت الجلد : أزلت شعره .

هذا هو معنى التجريد في اللغة ، وأما عند علماء التربية والسلوك فله معان عدة بحسب أقسامه الثلاثة :

القسم الأول : تجريد الظاهر ومعناه : ترك الأسباب الدنيوية التي تشغل الجوارح عن طاعة اللّه تعالى .

القسم الثاني : التجريد الباطني ومعناه : ترك العلائق النفسانية التي تشغل القلب عن الحضور مع اللّه تعالى .

والقسم الثالث : تجريد الظاهر والباطن معا ويقال له التجريد الكامل ويشمل المعنيين .

فيكون معنى التجريد التفرغ للعبادة والمراقبة مع ترك الأسباب الدنيوية ، كالعمل من أجل الكسب الحلال ،

وعلى هذا فيكون معنى الحكمة في شطرها الأول ، أن الإنسان الذي أقامه اللّه تعالى في الأسباب أي : الأخذ في أسباب الرزق بأن يعمل ويجاهد سعيا وراء الكسب الحلال ليعيل نفسه وأهله وأولاده ، عليه أن يحمد اللّه تعالى الذي وفقه وأقامه في هذه الحالة ، لا أن يطلب من اللّه تعالى أن ينقله إلى مقام التجريد ليرتاح من عناء السعي وراء الكسب لما في ذلك من جهد ومشقة وتعب ، مدعيا أن ذلك يشغله عن العبادة ، لأن نفسه تريد من وراء هذا الطلب وهذا الادعاء أن ترتاح ، فيكون مطلبها من الشهوة الخفية ، وكون ذلك من الشهوة الخفية لعدم وقوف العبد مع مراد مولاه .

وعليه أن يعلم أن ما هو فيه يعتبر عبادة وطاعة لقوله تعالى :أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ[ البقرة : 267 ] .

وقوله تعالى :فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ[ الجمعة : 10 ] . ولقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :

« ما أكل

.......................................................................

( 1 ) ورقمها ( 2 ) في النص الكامل للحكم .

أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي اللّه داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده » « 1 » .

أما معنى الحكمة في شطرها الثاني وهو : وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية .

أي : من أقامه اللّه تعالى في خدمته ، بأن تفرّغ لتعلم العلم وتعليمه ، وانقطع بذلك عن كل ما يشغل الجوارح عن طاعة اللّه تعالى ، والقلب عن الحضور مع اللّه مصدقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :

« الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما » .

وهو في حاله هذا عنده من الرزق ما يكفيه ويكفي عياله ، أو كان يأتيه رزقه يوما بعد يوم ، ثم أراد أن يترك مقام التجريد هذا فإنه يكون بذلك ضعيف الهمة ، لأن مقام التجريد يحتاج إلى قوة كبيرة من اليقين والصبر وجهاد النفس أثناء الذكر والعبادة وتحصيل العلوم الشرعية ودعوة الخلق وإرشادهم إلى الحق ، قال تعالى :وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 )[ فصّلت : 33 ] .

وقال تعالى :وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 )[ آل عمران : 104 ] .

قال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير : « والذي يقتضيه الحقّ منك أن تمكث حيث أقامك حتى يكون الحق تعالى هو الذي يتولى إخراجك كما تولى إدخالك ، وجاء في شرح الحكم العطائية : « واعلم أن المتسبب والمتجرد عاملان للّه إذ كل واحد منهما حصل له صدق التوجه إلى اللّه تعالى حتى قال بعضهم : مثل المتجرد والمتسبب كعبدين للملك ، قال لأحدهما : اعمل وكل ، وقال لآخر : الزم أنت حضرتي وأنا أقوم لك بقسمتي ، ولكنّ صدق التوجه في المتجرد قد يكون أقوى لقلة عوائقه وقطع علائقه ، وقد يكون العكس هو الصحيح وذلك يختلف باختلاف الأشخاص .

.......................................................................

( 1 ) رواه البخاري : كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده حديث رقم ( 2072 ) .

الحكمة الثالثة [ في عزلة ] « ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة » « 2 » .

( 2 ) ورقمها ( 12 ) في النص الكامل للحكم .شرح الحكمة : هذه الحكمة تشير إلى الحديث الشريف : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » .

إنّ هذا الحديث يبين لنا أن قلب الإنسان هو الأساس ، وإذا كان الأساس سليما يكون البناء الذي هو الجسد سليما ، وهذه الحكمة تبين لنا أن العزلة تنفع في صلاح القلب وتساعده على الاعتبار والتفكر في الكون والمكوّن ، وذكر العلماء عشرة فوائد للعزلة :

الأولى : السلامة من آفات اللسان ، فإن من كان وحده لا يجد معه من يكلمه

وقد جاء في الخبر : « رحم اللّه عبدا سكت فسلم أو تكلم فغنم »

وورد أيضا : « أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ، وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لا يعنيه » .

الفائدة الثانية : حفظ البصر والسلامة من آفات النظر ، قال محمد بن سيرين :

إياك وفضول النظر فإنها تؤدي إلى فضول الشهوة » .

الفائدة الثالثة : حفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة وغيرهما ، قال بعض الحكماء : من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم وقع في ما وقعوا فيه فهلك كما هلكوا .

الفائدة الرابعة : حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها ، وبذلك يحقق حب اللّه تعالى وحب الناس له ، مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه وازهد في ما في أيدي الناس يحبك الناس » .

الفائدة الخامسة : السلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال ، وفي مخالطتهم فساد عظيم وخطر جسيم ، لأن الصاحب ساحب ، وكما ثبت في الحديث : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » .

الفائدة السادسة : التفرغ للعبادة والذكر والعزم على التقوى والبر ، فالعبد إذا كان وحده تفرّغ لعبادة ربه وانجمع عليها بجوارحه وقلبه وعقله لعدم وجود من يشغله عن ذلك .

الفائدة السابعة : وجدان حلاوة الطاعات ولذيذ المناجاة لفراغ سره عن الأغيار التي تشغله عن مولاه .

الفائدة الثامنة : راحة القلب والبدن ، فإن في مخلاطة الناس ما يوجب تعب القلب .

الفائدة التاسعة : صيانة نفسه ودينه من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة ، فإن النفس تسارع في الخوض في مثل ذلك إذا اجتمعت بأرباب الدنيا وزاحمتهم فيها ، والعزلة تحميه من ذلك .

الفائدة العاشرة : التمكن من عبادة التفكر والاعتبار ، نقل عن سيدنا عيسى عليه السلام قوله : « طوبى لمن كان كلامه ذكرا ، وصمته تفكرا ونظره عبرة »

ونقل عن الحسن قوله : «الفكرة تريك حسنك من سيئك ويطلع بها على عظمة اللّه تعالى وجلاله إذا تفكر في آياته ومصنوعاته».

قال الشيخ ابن عباد النفري : « هذه ثمرات عزلة أهل البداية ، وأما أهل النهاية فعزلتهم مصحوبة معهم ولو كانوا وسط الخلق ، لأنهم حاضرون مع اللّه تعالى على الدوام استوت عندهم الخلوة والخلطة .

ولما للخلوة من أهمية في حياة المريد السالك إلى اللّه تعالى انطلاقا من تحققه في مقامات الدين الكامل الإسلام والإيمان والإحسان وإتماما للفائدة نذكر ملخصا عن كل ما يتعلق بالخلوة من فوائد وأسرار عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي كما ذكرها في كتابه ( الفتوحات المكية ) حيث يقول :

« اعلم وفقنا اللّه وإياكم أن الخلوة أصلها في الشرع : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » فهذا حديث إلهيّ صحيح يتضمن الخلوة والجلوة ، وأصل الخلوة من الخلاء الذي وجد فيه العالم : [ الرجز ]فمن خلا ولم يجد فما خلا * فهي طريق حكمها حكم البلا

وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه ».

وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : « كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء » ثم خلق الخلق وقضى القضية وفرغ من أشياء وهوكُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[ الرحمن : 29 ] وسيفرغ من أشياء ثم يعمر المنازل بأهلها إلى الأبد .

الخلوة أعلى المقامات وهو المنزل الذي يعمره الإنسان ويملؤه بذاته فلا يسعه معه فيه غيره ، فتلك الخلوة ونسبتها إليه ، ونسبته إليها نسبة الحق إلى قلب العبد الذي وسعه ولا يدخله ، وفيه غير بوجه من الوجوه الكونية فيكون خاليا من الأكوان كلها فيظهر فيه بذاته ، ونسبة القلب إلى الحق أن يكون على صورته فلا يسع فيه سواه ، وأصل الخلوة في العالم الخلاء الذي ملأه العالم ، فأوّل شيء ملأه الهباء وهو جوهر مظلم ملأ الخلاء بذاته ثم تجلّى له الحق باسمه النور فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة وهو العدم فاتصف بالوجود فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به وكان ظهوره به على صورة الإنسان ، وبهذا يسميه أهل اللّه الإنسان الكبير ، وتسمى مختصره الإنسان الصغير لأنه موجود أودع اللّه فيه حقائق العالم الكبير كلها ، فخرج على صورة العالم مع صغر جرمه ، والعالم على صورة الحق ، فالإنسان على صورة الحق وهو قوله : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » . . .

فالإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير ، ثم انفتحت في العالم صور الأشكال من الأفلاك والعناصر والمولدات فكان الإنسان آخر مولد في العالم أوجده اللّه جامعا لحقائق العالم كله وجعله خليفة فيه فأعطاه قوّة كل صورة موجودة في العالم ، فذلك الجوهر الهبائيّ المنصبغ بالنور وهو البسيط ، وظهور صور العالم فيه هو الوسيط ، والإنسان الكامل هو الوجيز ، قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ فصلت : 53 ]

ليعلموا أن الإنسان عالم وجيز من العالم يحوي على الآيات التي في العالم فأوّل ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لأن العالم قبله كما قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ[ فصلت : 53 ]

ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه . . .

فأبانت له رؤية تلك الآيات التي في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك ، فالآيات هي الدلالات له على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم ، فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة ، فإنه ما ثم جملة واحدة ، ولهذا تمّم تعالى في التعريف فقال :أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعيان العالم شَهِيدٌ[ فصلت : 53 ] على التجلي فيه والظهور ، وليس في قوّة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا أن لا يكون مظهرا وهو المعبر عنه بالإمكان ، فلو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات ، ثم تمّم وقال :إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من العالم مُحِيطٌ[ فصلت : 54 ] والإحطاة بالشيء تستر ذلك الشيء فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشيء ، فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره فصار ذلك الشيء وهو العالم في المحيط كالروح للجسم ، والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم . . .

ثم إنه لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه ، وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما ولا بغير ذلك ، فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه . . .

فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين . . .

قال بعضهم لصاحب خلوة : اذكرني عند ربك في خلوتك ، فقال له : إذا ذكرتك فلست معه في خلوة .

ومن هنا تعرف قوله تعالى : « أنا جليس من ذكرني » فإنه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه إن كان المذكور ذا صورة في اعتقاده أحضره في خياله ، وإن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوّة الذاكرة ، فإن القوّة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني ، والقوّة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس أو ما تركبه القوّة المصوّرة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بدّ من ذلك ليس لها تصرّف إلّا به ، فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظيّ ، فأوّل خلوته الذكر الخياليّ وهو تصوّر لفظة الذكر من كونه مركبا من حروف رقمية ولفظية يمسكها الخيال سمعا أو رؤية فيذكر بها من غير أن يرتقي إلى الذكر المعنويّ الذي لا صورة له وهو ذكر القلب ، ومن الذكر القلبيّ ينقدح له المطلوب والزيادة من العلوم ، وبذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له ، وأنشأها الحسّ في خياله في نوم ويقظة وغيبة وفناء ، فيعلم ما رأى وهو علم التعبير للرؤيا » .

ويتابع الشيخ الأكبر رحمه اللّه تعالى حديثه عن الخلوة وأسرارها إلى أن يذكر لنا بعض أصناف السالكين الذين يدخلون الخلوة مبيّنا الأسباب التي من أجلها دخلوا الخلوة فيقول : « ومنهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم ، وهذا لا يكون إلّا للذين يأخذون العلم من أفكارهم ، فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية وهو ميزان لطيف أدنى هواء يحرّكه فيخرجه عن الاستقامة فيتخذون الخلوات ويسدّون مجاري الأهواء لئلا تؤثر في الميزان حركة تفسد عليهم صحة المطلوب ، ومثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل اللّه وإنما لهم الخلوة بالذكر ليس للفكر عليهم سلطان ولا له فيهم أثر ، وأيّ صاحب خلوة استنكحه الفكر في خلوته فليخرج ويعلم أنه لا يراد لها وأنه ليس من أهل العلم الإلهيّ الصحيح ، إذ لو أراده اللّه لعلم الفيض الإلهي لحال بينه وبين الفكر .

ومنهم من يأخذ الخلوة لما غلب عليه من وحشة الأنس بالخلق فيجد انقباضا في نفسه برؤية الخلق حتى أهل بيته ، حتى أنه ليجد وحشة الحركة فيطلب السكون فيؤدّيه ذلك إلى اتخاذ الخلوة .

ومنهم من يتخذ الخلوة لاستحلاء ما يجد فيها من الالتذاذ ، وهذه كلها أمور معلومة لا تعطي مقاما ولا رتبة ، وصاحب الخلوة لا ينتظر واردا ولا صورة وشهودا ، وإنما يطلب علما بربه فوقتا يعطيه ذلك في غير مادّة ، ووقتا يعطيه ذلك في مادة ، ويعطيه العلم بمدلول تلك المادة .

هذا ومن أراد التوسع في معرفة الخلوة وفوائدها وأسرارها وأهميتها في حياة الفرد المسلم السالك إلى اللّه تعالى فليرجع إلى الجزء الثالث والتسعين ، من الباب الثامن والسبعين في معرفة الخلوة .

وليرجع إلى كتاب « الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر في الخلوة من الأنوار » المتن للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي والشرح للشيخ عبد الكريم الجيلي رحمهما اللّه تعالى .

الحكمة الرابعة « 1 » : « ادفن وجودك في أرض الخمول ، فما نبت ممّا لم يدفن لا يتمّ نتاجه » .شرح الحكمة : هذه الحكمة تحث الإنسان على عدم التصدر للخلق بالإرشاد والنصح من أجل الشهرة قبل أن يزكي نفسه بالأخلاق الحميدة ، وينمي عقله بالعلم الغزير فإذا ما فعل ذلك استفاد منه الخلق وأثمرت شجرته .

فإنه لا شيء أضر على النفس من الشهرة قبل بناء الشخصية البناء الصحيح لذلك قالوا : حب الظهور يقسم الظهور . وقالوا : كل ظهور يتبعه عداوة .

وقال إبراهيم بن أدهم : « ما صدق اللّه من أحب الشهرة » .

وقال رجل لبشر بن الحارث وهو من أصحاب الفضيل بن عياض : « أوصني . فقال له : أخمل ذكرك وأطب مطعمك » . وهذا كله لكي لا يدخل الرياء إلى قلبه فيحبط عمله .

ولا يظن أحد أن هذه الحكمة تدعو إلى السلبية والانهزام ، بل هي على العكس من ذلك فإنها تدعو إلى العزلة المؤقتة التي تسمح للإنسان بالتحصيل العلمي وتزكية النفس . فالعلم والأخلاق شرطان أساسيان لمن أراد أن يتصدر لتعليم الخلق ونصحهم لكي يؤثر عمله إيجابا في الناس ويستفيدوا منه ، فيحصل النفع وتتم الفائدة .

فكما أن من شرط إثمار الشجرة دفن البزرة في الأرض فمن شرط إنتاج المرشد أن يعزل نفسه مدة من الزمان تساعده على تحصيل العلم والأخلاق المطلوبين في عمله الإرشادي التعليمي .

.............................................................................

( 1 ) ورقمها ( 11 ) في النص الكامل للحكم .

الحكمة الخامسة: « اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك ، دليل على انطماس البصيرة منك » « 1 ».شرح الحكمة : أن الشيء الذي ضمنه اللّه تعالى لنا هو الرزق وذلك في قوله تعالى :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] وقوله تعالى :وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ[ العنكبوت : 60 ]

والآيات القرآنية في ذلك كثيرة . وإن الشيء الذي طلبه الحق تعالى من الخلق هو العبادة ، والآيات في ذلك كثيرة أيضا منها قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ[ البقرة : 21 ]

وتمام هذه الآية قوله تعالى :* وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 )[ هود : 6 ] .

فعلى الإنسان أن لا يبذل كل وسعه في جلب الرزق الذي كفله اللّه له ، ويترك أو يقصر في عبادة اللّه تعالى التي طلبها الحق تعالى منه ، لأنه إذا فعل ذلك يكون مطموس البصيرة .

والبصيرة هي نظر القلب ، كما أن البصر هو نظر العين وبالبصيرة ينظر الإنسان إلى الأمور المعنوية كما أنه بالبصر ينظر إلى الأمور الحسية .

وهذا الذي ذكرته الحكمة من انطماس البصيرة يتحقق باجتماع الأمرين : الاجتهاد في طلب الرزق المضمون والتقصير في طلب العبادة المطلوبة ، أما إذا طلب الرزق الحلال من غير تقصير في العبادة فهذا عين الحكمة .

قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من بات كالا من طلب الحلال بات مغفورا له » رواه الطبراني في الأوسط .

فعلى الإنسان أن يكون عاقلا حكيما ينظر ببصره إلى الدنيا فيأخذ منها ما يحتاجه في سيره إلى الآخرة التي ينظر إليها ببصيرته فيجتهد في طلبها ويجد ، قال تعالى :وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 )[ النّجم : 39 ]

وقال تعالى :وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 )[ الضّحى : 4 ] .

.............................................................................

( 1 ) ورقمها ( 5 ) في النص الكامل للحكم .

الحكمة السادسة: « الأعمال صور قائمة ، وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها »« 1 » .شرح الحكمة : إن الأعمال المقصودة في هذه الحكمة هي العبادات المطالبين بإقامتها ، وهي نوعان : جسمانية وقلبية .

شبّهتها الحكمة بالصور الحسية والمعنوية أيضا لأن الصورة هي ما يرى في النظر ويتشخص في الذهن من الكيفيات .

والروح : هو السر المودع في الحيوانات ، والمراد به هنا الكمال المعتبر في الأعمال .

والإخلاص : هو إفراد القلب لعبادة الرب .

وسره : لبه وهو الصدق المعبّر عنه بالتبري من الحول والقوة إذ لا يتم إلا به .

وعلى ذلك يكون معنى الحكمة أن الأعمال التي يفعلها الإنسان ليتقرب بها إلى اللّه تعالى سواء كانت من الفرائض أو الواجبات أو السنن أو النوافل ليست معتبرة إلا إذا قرنها صاحبها بالإخلاص .

إن الأعمال كالأجساد ، وأرواحها وجود الإخلاص فيها ، فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح وإلا كانت ميتة ، كذلك لا قيام للأعمال - سواء كانت بدنية أو قلبية - إلا بوجود الإخلاص فيها وإلا كانت صورا قائمة وأجسادا خاوية لا حياة فيها ولا روح .

إن اللّه تعالى أمرنا أن نعبده ونحن مخلصون له لكي نستفيد من هذه العبادة ونشعر بحلاوتها وينتفي عنا الرياء المحبط للأعمال ، قال اللّه تعالى :وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ[ البيّنة : 5 ] ،

وقال تعالى :قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 )[ الزّمر : 11 ] ،

وقال تعالى :إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 2 )[ الزّمر : 2 ] .

والإخلاص ينقسم إلى ثلاثة أقسام : إخلاص مقام الإسلام ، وهو إخلاص العوام الذين يطلبون الحظوظ الدنيوية والأخروية .

وإخلاص مقام الإيمان، وهو إخلاص المتقين، وأعمالهم من أجل الحظوظ والسعادة الآخروية فقط ، وهي خالية عن الرياء الجلي.

وإخلاص مقام الإحسان ، وهو إخلاص المحبين والمقربين ، وأعمالهم خالصة من الرياء الجلي والخفي ، وهي للّه تعالى إجلالا وتعظيما وعبودية دون طمع في جنة أو خوف من نار كما قالت السيدة رابعة العدوية :

.............................................................................

( 1 ) ورقمها ( 10 ) في النص الكامل للحكم .

كلهم يعبدوك من خوف نار * ويرون النجاة حظا جزيلا

أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا * بقصور ويشربوا سلسبيلا

ليس لي بالجنان والنار حظ * أنا لا أبتغي بحبي بديلافنسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لأن تكون أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم .

الحكمة السابعة « 1 » « إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النّفس » .شرح الحكمة : إن الإنسان دائم الانشغال بدنياه ، ومشاغل الدنيا لا تنقضي ، وذلك لأن الإنسان لا يشبع منها مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :

« لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى أن يكون له واديان ، وما ملأ جوف ابن آدم إلا التراب »

قال الشاعر :

نروح ونغدو لحاجاتنا * وحاجات من عاش لا تنقضي

وقال آخر :فما قضى أحد منها لبانته * ولا انتهى أرب إلا إلى أرب

فهذه الحكمة تحذر الإنسان من تأخير الأعمال الصالحة التي طالبه بها الحق تعالى من أجل سعادته الأخروية إلى أن يتفرغ من مشاغل الدنيا ، فإن هذا التفكير وهذا التسويف هو من رعونات نفسه أي من حمقها ، لأن النفس أمّارة بالسوء فهي لا تشبع من الدنيا وشهواتها . والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول :

« الكيّس ( العاقل ) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » .

وقديما قالوا : الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك .

وروى الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف موقوفا على بكر المزني : « ما من يوم أخرجه اللّه إلى أهل الدنيا إلا ينادي : ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي .

ولا ليلة إلا تنادي : ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي » .

فالإنسان العاقل لا يؤثر الدنيا على الآخرة بتأجيله الأعمال الصالحة إلى وقت فراغه . قال تعالى :بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 )[ الأعلى :الآيتان 16 ، 17 ] .

.............................................................................

( 1 ) ورقمها ( 18 ) في النص الكامل للحكم .

ومما قيل في ذلك : « ألا وإن من علامة العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكنى القبور والتأهب ليوم النشور » .

فعلى الإنسان أن يكون كيّسا فطنا ثاقب الذهن فيبادر إلى انتهاز الفرصة في الأعمال الصالحة قبل أن يفاجئه الأجل المحتوم فيندم على ما فرط في جنب اللّه سبحانه وتعالى .

الحكمة الثامنة « 1 » : « لا تستغرب وقوع الأكدار ، ما دمت في هذه الدّار ، فإنّها ما أبرزت إلّا ما هو مستحقّ وصفها وواجب نعتها » .شرح الحكمة : إن هذه الحكمة تنبه المسلم على عدم استغرابه وقوع البلايا والمصائب به ما دام في هذه الحياة الدنيا . قال تعالى :وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[ الأنبياء : 35 ] .

قال الإمام البغوي في تفسيره شارحا هذه الآية : « الشر والخير هما الشدة والرخاء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر » .

وقال تعالى :الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( 2 )[ الملك : 2 ] .

إن صدور الأكدار التي تؤلم النفس وتكدرها من الدنيا شيء طبيعي ، لأنه وصف تستحقه الدنيا ويجب أن توصف به .

ومما قيل في ذلك : « أيها الناس : إن هذه الدار دار تواء ( هلاك ) ، لا دار استواء ، ومنزل ترح ( حزن ) لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخائها ولم يحزن لشقائها ، ألا وإن اللّه خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ، وإنها لسريعة التوى وشيكة الانقلاب ، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى اللّه خرابها ، ولا تواصلوها وقد أراد اللّه منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين » .

.............................................................................

( 1 ) ورقمها ( 24 ) في النص الكامل للحكم .

قال الإمام جعفر الصادق رضي اللّه تعالى عنه : « من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل له : وما ذاك ؟ قال : الراحة في الدنيا » وفي هذا المعنى قال الشاعر :

تطلب الراحة في دار العناء * خاب من يطلب شيئا لا يكون

وقال أحد الصالحين : « ملتمس السلامة في دار المتالف والمعاطب كالمتمرغ على مزاحف الحيّات ومداب العقارب » .

فلا تتعجب أيها الإنسان من نزول الأكدار الدنيوية بك ، فهذا هو شأن الدنيا .

قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » .

فعليك أن تهيئ نفسك على توقع استقبال المحن ، وتستعين على دفع ذلك بالصبر والرضا عند وقوع القضاء . قال اللّه تعالى :إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ[ الزّمر : 10 ]

وقال تعالى :وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ[ البقرة : 45 ]

وورد شعرا :وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها * عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر.

الحكمة التاسعة « 1 » : «ما توقّف مطلب أنت طالبه بربّك، ولا تيسّر مطلب أنت طالبه بنفسك ».شرح الحكمة : إن كل إنسان يحب أن تكون أموره متيسرة متحققة الوقوع ، وهذه الحكمة تنبه المسلم على أنه إذا أراد إنجاز مطالبه وتسهيلها عليه لا بد أن يطلب قضاءها باللّه تعالى ، أي بأن يستند إلى اللّه تعالى في تيسيرها .

فمن أنزل حوائجه باللّه تعالى والتجأ إليه وتوكل عليه كفاه اللّه تعالى مؤنتها وقربها إليه ويسرها عليه ، وعلامة ذلك كما يقول الشيخ أحمد زروق : « ثلاثة : التفويض في المراد ، والتوكل في التحصيل ، والاستقامة في التوجه ، فإذا تمت هذه الأشياء فالمطلب متيسر ، سواء وجد أم لم يوجد ، لأن المقصود تبريد حرقة الاحتياج ، ولا بقاء لها مع التفويض ( إلى اللّه تعالى والاعتماد والتوكل عليه ) لأن عاقبته الرضا في الوجود والعدم » .

قال تعالى :وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ( 3 )[ الطلاق : 2 ، 3 ] .

.............................................................................

( 1 ) ورقمها ( 25 ) في النص الكامل للحكم .

فالذي يعتمد على ربه تعالى في طلبه الأشياء تتحقق له الأشياء . قال اللّه تعالى :قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 )[ الأعراف : 128 ] .

أما الإنسان الذي يطلب الأشياء بالاعتماد على نفسه في تحصيل مراده بأن يعتمد على عقله وقوته وتدبيره وينسى اللّه تعالى ، فإنه سيفشل في تحقيق ما أراد وقوعه وسيرى أن أموره تتعسر ،

وعلامة ذلك كما يقول الشيخ أحمد زروق : « حب الموافقة - لمراده - من غير تفويض إلى اللّه تعالى ، وأن يعتمد على الأسباب من غير توكل على اللّه تعالى ، والتهور في التحصيل دون تقوى ولا استقامة ، وكلها تعود عليه بالضرر في الوجود والعدم ، فالمطلب وإن تيسر بها صورة فهو حرمان في الحقيقة ، لما فيه من نسيان الشكر ومفارقة الحق والاعتماد على الخلق » .

فعلى الإنسان أن يطلب الأشياء باللّه تعالى لتتيسر ولا يطلبها بنفسه لكي لا تتوقف وتتعسر .

قال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير في إسقاط التدبير : « وما أدخلك اللّه فيه تولى إعانتك عليه ، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه » قال تعالى :وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 )[ الإسراء : 80 ] .

الحكمة العاشرة « 1 » : « تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب ، خير لك من تشوّفك إلى ما حجب عنك من الغيوب » .شرح الحكمة : نمهد لشرح الحكمة بالقول : إن الإنسان كائن صغير في حجمه كبير في حقيقته ، فهو مركب من مادة ومعنى وهما يشكلان مجموع جسم الإنسان وعقله وقلبه ونفسه وروحه ، والنفس مليئة بالعيوب بدليل قول اللّه تعالى :إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ[ يوسف : 53 ] فهي تميل إلى الدنيا بشهواتها ، وهذا يدفعها إلى معصية اللّه تعالى والتخلق بالأخلاق الذميمة .

وإن الروح تميل إلى عالم الملكوت فهي دائمة التشوف والتطلع إليه .

فهذه الحكمة تحث المسلم على النظر فيما غاب عنه من عيوب نفسه ليتجنبها بدلا من أن يتطلع ويتشوف إلى ما خفي واستتر عنه من عالم الملكوت .

.............................................................................

( 1 ) ورقمها ( 32 ) في النص الكامل للحكم .

وإنّ عيوب الإنسان كثيرة ؛ منها ما هو نفسي ومنها ما هو قلبي ومنها ما هو روحي .

وإن عيوب النفس وأمراضها منها ما هو ظاهر جلي كحب الشهوات الدنيوية من مأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن ومنكح ، ويدخل فيها الغيبة والنميمة والغش والكذب وغير ذلك .

ومنها ما هو باطن خفي ، ويسمى بالأمراض القلبية كحب التسلط على الخلق بالرياسة وحب العز والجاه والمداهنة والكبر والعجب والرياء والحسد والحقد وغير ذلك .

وأما العيوب المنسوبة إلى الروح ، فهي تعلقها بالحظوظ الباطنية كحب الاطلاع على المغيبات والأسرار الملكوتية وطلب الكرامات والمقامات وغير ذلك .

فالإنسان العاقل هو الذي يتطلع ويتشوف إلى الاشتغال بعيوبه النفسية والقلبية والروحية ، فيعمل جهده في التخلص منها ، فيقوم بحقوق عبوديته للّه تعالى ، فإن هذا خير له من التطلع والتشوف إلى ما حجب عنه من غيوب الملكوت ، لأن اشتغاله بذلك يمنعه من القيام بحقوق الربوبية للّه تعالى

وفي ذلك قال العارفون باللّه تعالى : « كن طالب الاستقامة ولا تكن طالب الكرامة ، فإن نفسك تدفعك لطلب الكرامة ، ومولاك يطالبك بالاستقامة ، ولأن تكون بحق ربك أولى من أن تكون بحظ نفسك » .

فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا ممن يهتم بعيوب نفسه فيعمل على تطهيرها من الأخلاق الرديئة بدلا من الاهتمام بما حجب عنا من مغيبات لنتحقق بقوله تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 )[ الشّمس : 9 ، 10 ] ،

فندخل في قوله تعالى :يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 )[ الفجر : 27 - 30 ] .

* * *

عبدالله المسافربالله يعجبه هذا الموضوع

thumb_up1أعجبنيthumb_downلم يعجبني

removeمواضيع مماثلة

الحكم العطائية من 11 الى 20 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي

الحكم العطائية من 21 الى 30 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي

المقدمة لكتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي

الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري

رسائل الشيخ ابن عطاء الله السكندري لبعض إخوانه .كتاب غيث المواهب العلية فى شرح الحكم العطائية

power_settings_new قم بتسجيل الدخول للرد


الرئيسية


جديد المنتدى


دخولأكثر خطايا ابن آدم في لسانه ، وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لا يعنيه » .https://netshort.onelink.me/7xW2?af_js_web=true&af_ss_ver=2_9_3&pid=metaweb_int&c=2009938024521334785-P324-FB-0110-OMG!%20The%20%22butcher%22%20Son%20Is%20the%20Family%20Savior!-AE-w2a-THUAI-P324-AE&af_channel=Facebook_Mobile_Feed&af_ad=270_tantanhui_JJ_AE_P324_260106&af_adset=2009938024521334785-200&deep_link_value=2009938024521334785&af_sub1=1&af_sub2=0&af_c_id=120240688525610702&af_adset_id=120240688526050702&af_ad_id=120240688602220702&deep_link_sub1=1&fbclid=IwZXh0bgNhZW0BMABhZGlkAasuROvnpM5zcnRjBmFwcF9pZA8yNzUyNTQ2OTI1OTgyNzkAAR5xKWQcexvPEztnZxnp_zap57sNaUDxbw52bI7cbbD5VLCXi7gDnVSUJE_FUA_aem_b60_wh5ZHz4GR6Fp4IIlQA&af_ss_ui=true&fbclid=IwZXh0bgNhZW0BMABhZGlkAasuROvnpM5zcnRjBmFwcF9pZA8yNzUyNTQ2OTI1OTgyNzkAAR5xKWQcexvPEztnZxnp_zap57sNaUDxbw52bI7cbbD5VLCXi7gDnVSUJE_FUA_aem_b60_wh5ZHz4GR6Fp4IIlQAالعبد يجب أن يعلم أن الله تعالى رحيم به ولا يريه إلا الخير ، وما يأتيه من ابتلاء فلا يقصد به الإيلام لقوله تعالى :(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا )، وإنما يقصد به أن يتعرف على الله بكل صفاته ، وما يكرهه الإنسان قد يكون فيه الخير له ، وما يأتي من الله ففيه الخير للعبد لأن الله تعالى قد عود العبد على حسن الاختيار ، ويجب على ذلك العبد أن ‏يحسن الظن بالله تعالى .خمسة لا تصح صحبتهم : الجاهل بالدين ، والذي يسقط حرمة المسلمين ، والذي يخوض فيما لا يعنيه ، والذي يتبع الهوى في كل شيء فهو صاحب بدعة ، وسئ الخلق »

قلبي طيب بصدق فورا

بعضهم يفتح عينيه على اتّساعها، لكنه يغلق قلبه بإحكام، كأنّ الفهم جريمة، وكأنّ الحقيقة لعنة يخشونها أكثر من الجهل. تمرّ أمامهم العلامات، لا كألغازٍ مبهمة، بل كصواعق من نور، فيتراجعون إلى ظلالهم، يختبئون خلف الأعذار، ويقولون: "لم نرَ شيئاً."

ما سر تحرك مشاعر الرجل لأكثر من امرأة رغم أنه متزوج من المرأة التي أحبها؟

ماذا أرد إذا سأل الخاطب أو أمه عن عيوبي؟ هل أخبره بها أم لا؟ لأني أخاف أن يركز عليها فيما بعد، وإذا كان الجواب لا، ماذا سيكون ردي له إذا سألني هذا السؤال؟search
رجوع

الحكم العطائية من 11 الى 20 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
 
اتقوا الله ويعلمكم اللهديوان أعلام التصوف و أئمة الصوفية رضى الله عنهمالسادة المدرسة الشاذليةكتب الشيخ ابن عطاء الله السكندرياللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية ابن عطاء الله السكندري
power_settings_new قم بتسجيل الدخول للرد
الحكم العطائية من 11 الى 20 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
السبت 2 ديسمبر 2023 - 20:44
من طرف عبدالله المسافربالله
الحكم العطائية من 11 الى 20 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
الحكمة الحادية عشرة « 1 » : « اخرج من أوصاف بشريّتك ، عن كلّ وصف مناقض لعبوديّتك ، لتكون لنداء الحقّ مجيبا ، ومن حضرته قريبا » .شرح الحكمة : نمهد لشرح هذه الحكمة بالقول : إن الإنسان مركب من قوى مادية ومن قوى روحية ، لذلك كانت احتياجاته ومتطلباته كثيرة ومتنوعة . منها ما هو
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 34 ) في النص الكامل للحكم .

حسي حيواني كشهوتي البطن والفرج ، ومنها ما هو ملكوتي نفسي كالصفات القلبية المتضادة : الكبر والتواضع ، والحسد وسلامة الصدر ، والغلظة واللين ، وحب الغنى والأغنياء وكراهة الفقر والفقراء وغير ذلك . ومنها ما هو روحي جبروتي كمراقبة الإنسان المسلم للّه تعالى وشعوره أنه في حضرته من حيث أنه سبحانه وتعالى شاهده وناظره ومطلع عليه .
إن الشريعة الإسلامية لم تترك الإنسان يسير على غير هدى باحثا عن هذه الاحتياجات ، بل جاءت بما يشبع هذه القوى المادية والروحية على السواء ، فشرعت أركان الدين الإسلامي الثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان .
إن الإسلام يتضمن أحكام ظاهر الإنسان بما في ذلك من ماديات ، والإيمان يتضمن أحكام باطن الإنسان القلبي بما في ذلك من ملكوت ، والإحسان يتضمن أحكام باطن الإنسان الروحي بما في ذلك من جبروت .
والإنسان المسلم إذا التزم الدين الإسلامي بأركانه الثلاثة سالفة الذكر الإسلام والإيمان والإحسان ، يكون بذلك خارجا عن أوصاف بشريته المناقضة لعبوديته للّه تعالى ، ويكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا ، 
وتفصيل شرح ذلك أن نقول :
إن الإنسان مطالب بأن يكون عبدا خالصا للّه تعالى ، بأن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ، والنفس والشيطان وشهوات الدنيا يعملون على منع الإنسان من الخضوع للّه تعالى ، فيجعلونه يتخلّق بالأوصاف البشرية المناقضة لعبوديته للّه تعالى . 
فبالنسبة لظاهره وجوارحه ، يرتكب المخالفات الشرعية لجهله بفقه الحلال والحرام ، فلا يطيع اللّه تعالى بل يعصيه ، فلا يؤدي الفرائض من صلاة وزكاة وصيام وحج ، ويشبع شهوتي بطنه وفرجه من الحرام . 
وبذلك يكون مخالفا لأوصاف عبوديته المتعلقة بمقام الإسلام .
وبالنسبة لنفسه وقلبه يتركهما دون تربية فيتخلّق بالأوصاف الذميمة وهي أخلاق الشياطين كالكبر والحسد والحقد والغضب والبطر والغلظة والبخل والشح والرياء والعجب والكذب وغير ذلك من أوصاف مناقضة لعبوديته في مقام الإيمان .
وبالنسبة لروحه يترك الإخلاص والصبر والتوكل والتواضع والزهد والحياء والقناعة ، وصدق التوجه إلى اللّه تعالى والاعتماد عليه ، ويترك الخشوع ومراقبة اللّه سبحانه وتعالى في السر والعلن ، وغير ذلك من صفات مناقضة لعبوديته في مقام الإحسان ، وهو مقام : أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أيها الإنسان المسلم إذا أردت أن تخرج من أوصاف بشريتك المناقضة لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا ، عليك أن تتفقه في الدين فتؤدي الفرائض وتجتنب النواهي وتأخذ من الدنيا وشهواتها قدر ما سمح لك الحق تعالى بأخذه من الحلال.
وأن تزكي نفسك وتطهرها من الرذائل وتحلي قلبك بمكارم الأخلاق المحمدية التي بعث بها إلينا ، وأن تستغني باللّه تعالى عن كل ما سواه وتعلم بأن اللّه تعالى يراك في كل أحوالك وشؤونك فتراقبه على الدوام لتشعر بقربه تعالى منك فتأنس وتطمئن به تعالى.
فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا لندائه مجيبين ومن حضرته قريبين .
* * *
الحكمة الثانية عشرة « 1 » : « لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلّك على اللّه مقاله » .شرح الحكمة : إن الإنسان كائن اجتماعي يتأثر بالآخرين المحيطين به ويتأثرون به ، لذلك كان لزاما على المسلم أن يتخير أصحابه ، لأن الصاحب ساحب والمرء على دين خليله ، فعليه أن ينظر من يصاحب ، قال محمد بن سيرين : « إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم » . فهذه الحكمة تنصحنا بصحبة من يرفعنا حاله ويدلنا على اللّه مقاله . 
وهذا الصاحب الذي ينهضك حاله هو الإنسان المسلم بجوارحه ونفسه ، المؤمن بعقله وقلبه ، المحسن بروحه وسره ، ربّى جوارحه ونفسه على امتثال أوامر اللّه تعالى واجتناب نواهيه لا يقدم على عمل حتى يعلم حكم اللّه تعالى فيه ، وربّى عقله على العقيدة الصحيحة من حيث الإيمان بوحدانية اللّه تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وبأن اللّه تعالى متصف بكل كمال ومنزّه عن كل نقص ، أخذا من قوله تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ الشّورى : 11 ] .  
وربّى قلبه على مكارم الأخلاق فتخلّق بأخلاق النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم القائل : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » .
وربّى روحه وسره على الاعتماد والتوكل على اللّه تعالى والثقة به في كل شؤونه ، فهو دائم المراقبة والذكر له تعالى .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 43 ) في النص الكامل للحكم .


قال تعالى :وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 )[ الكهف : 28 ] .
فعليك أيها المسلم بصحبة من كان هذا حاله ، فإذا جالسته دلّك على اللّه تعالى مقاله ونقلك من الغفلة إلى الذكر والحضور واليقظة مع اللّه تعالى ، ونقلك من الطمع والتعلق بالدنيا إلى الزهد فيها وفي كل ما سوى اللّه تعالى ، ونقلك من المعصية إلى التوبة والرجوع إلى رحمة اللّه تعالى ومغفرته ، ونقلك من الجهل بالدين إلى العلم والتفقه به .
ولا تصحب أخي المسلم من كان حاله بخلاف ما ذكرنا ، قال أحد العارفين باللّه تعالى : « خمسة لا تصح صحبتهم : الجاهل بالدين ، والذي يسقط حرمة المسلمين ، والذي يخوض فيما لا يعنيه ، والذي يتبع الهوى في كل شيء فهو صاحب بدعة ، وسئ الخلق » وقال سهل بن عبد اللّه التستري : « احذر صحبة ثلاثة أصناف : الجبابرة الغافلين ، والقراء المداهنين ، والمتصوفة الجاهلين » ، ولبعض الحكماء : « لا تؤاخ من الناس من يتغير عليك في أربع : عند غضبه ورضاه وعند طمعه وهواه » . ونسب لسيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه قوله :
« شر الأصدقاء من أحوجك إلى المداراة وألجأك إلى الاعتذار » .
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللّه تعالى : « أوصاني خليلي فقال : « لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب اللّه ، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبا من معصية اللّه ، ولا تصحب إلا من تستعين به على طاعة اللّه ، ولا تصطف لنفسك إلا من تزداد به يقينا باللّه تعالى ، وقليل ما هم » . فلا تصحب أخي المسلم من لا ينهضك حاله ولا يدلك على اللّه مقاله .
* * *
الحكمة الثالثة عشرة «1» : « من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات ، وترك النّدم على ما فعلت من وجود الزّلّات ».شرح الحكمة : إن مدار هذه الحكمة على قلب الإنسان وهي تتحدث عن بعض علامات موته . والمقصود بالقلب هنا اللطيفة النورانية الموجودة في الإنسان وليس
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 48 ) في النص الكامل للحكم .


المقصود القلب الصنوبري المادي الذي يضخ الدم في جسد الإنسان مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » .
فهذا القلب ، هو الذي يولد الطاقة الإيمانية في الإنسان بشرط أن يكون حيا وصالحا . ويتحقق ذلك بأمور منها : ذكر اللّه تعالى ، والزهد في الدنيا ، واشتغال الجوارح بطاعة اللّه تعالى ، وصحبة العلماء باللّه تعالى وبشرعه ، وهذا القلب ينطبق في حقه قوله تعالى :إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)[الأنفال : 2].
وسبب موت القلب أمور منها : الغفلة عن ذكر اللّه مصداقا لقوله تعالى :وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 )[ طه : 124 ] ومنها : استعمال الجوارح في معصية اللّه تعالى مصداقا لقول اللّه تعالى :كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 )[ المطفّفين : 14 ] وقوله تعالى :فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 )[ البقرة :
الآيات 10 - 12 ] ومنها : حب الدنيا ، قال تعالى :وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 )[ طه : 131 ] ومنها : الجهل بالدين ، قال تعالى :فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[ التّوبة : 122 ] .
وذكر العلماء علامات يعرف بها موت القلب ، منها : عدم حزنه على ما فاته من الطاعات ، فلا يحزن إذا ما قصر في واجباته الدينية ، ولا يكترث لذلك ، لأنه منصرف عن رضا مولاه بالدنيا ، مستغرق في جمع حطامها ظنا منه أنه مخلّد فيها ، ونسي أنها دار عبور وفناء وليست دار استقرار وخلود . ومنها : عدم الندم والحزن والمسارعة إلى التوبة إذا ما صدر منه معصية للّه تعالى ، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة ؟ فهو غافل عن سخط اللّه تعالى وغضبه .
أما القلب الحي فإنه يفرح بصدور الطاعة منه ، لأنها دليل على رضا اللّه تعالى عنه فيفرح بها ، وكذلك يحزن مسرعا تائبا إلى اللّه تعالى إذا ما فعل سيئة ، لأنه يعرف أن ذلك مما يغضب اللّه تعالى ، مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن »
* * *
الحكمة الرابعة عشرة « 1 » : « ما بسقت أغصان ذلّ إلّا على بذر طمع » .شرح الحكمة : بسقت أي : طالت وبسقت النخلة إذا طالت ، قال تعالى :وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ[ ق : 10 ] أي طويلات . 
والأغصان : معروفة وهي جمع غصن ، وهي ما تشعب عن جذع الشجرة . 
والبذر : هو الحب الذي يزرع في الأرض .
والطمع : هو ميل النفس إلى الشيء وتعلقها به وحرصها عليه .
وقالوا في معنى الطمع أيضا : هو تعلق القلب بما في أيدي الخلق وتشوفه إلى غير مولاه سبحانه وتعالى .
فيكون معنى الحكمة لا تغرس بذر الطمع في قلبك فتخرج منه شجرة الذل وتتشعب أغصانها .
والطمع من أعظم آفات النفس لأنه أصل الذل للخلق وهو ينافي العزة المشار إليها بقوله تعالى :وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ[ المنافقون : 8 ] 
فهو ينافي حقيقة الإيمان ويقدح في العبودية للّه تعالى ، لأنه يصرف الهمة عن التعلق باللّه والثقة به والاعتماد والتوكل عليه تعالى إلى التذلل إلى الخلق واعتقاد أنهم ينفعونه وأن الخير وأصل إليه منهم وفي ذلك ذله من عدة وجوه ، منها : شكه في قدرة اللّه تعالى المتعلقة في المقدور ، ومنها : تملقه للمطموع فيه ، ومنها : استشعاره الخيبة والمهانة عند الطلب ، ومنها : بذله ماء وجهه عند مواجهة المطلوب منه . وفي ذلك من المذلة ما لا يخفى .
قال أحد العلماء باللّه تعالى : « أيها الرجل ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه ، ويحك فكله بعز ولا تأكله بذل » .
وقال الشيخ أبو الحسن الوراق رحمه اللّه تعالى : « من أشعر في نفسه محبة شيء من الدنيا فقد قتلها بسيف الطمع ، ومن طمع في شيء ذلّ له ، وبذلّه هلاكه » . 
وقال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير في إسقاط التدبير : « وتفقد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه ، وتطهر من الطمع في الخلق ، فلو تطهر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهره إلا اليأس منهم ورفع الهمة عنهم » .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 60 ) في النص الكامل للحكم .


وقدم سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه إلى مدينة البصرة في العراق فدخل جامعها ، فوجد القصّاص يقصّون فأقامهم - أي طردهم من المسجد - حتى جاء إلى الحسن البصري رضي اللّه عنه ، فقال له : يا فتى إني سائلك عن أمر فإن أجبتني عنه أبقيتك - أي في التدريس - وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك - وكان قد رأى عليه سمتا وهديا - فقال الحسن البصري : سل ما شئت ، قال : ما ملاك الدين - أي أصله وقوامه ؟ قال : - أي الحسن البصري : ملاك الدين الورع . 
قال - أي سيدنا علي - : فما فساد الدين ؟ قال : الطمع . قال : - أي سيدنا علي - : اجلس فمثلك من يتكلم على الناس » .
فعليك أخي المسلم بعدم الطمع لأنه أصل الذل ، ورحم اللّه تعالى القائل :
ترك المطامع للفتى شرف له * حتى إذا طمع الفتى ذلّ الشرف 
وقال آخر :اضرع إلى اللّه لا تضرع إلى الناس * واقنع بعز فإن العز في الياس
واستغن عن كل ذي قرب وذي رحم * إن الغني من استغنى عن الناس 
وفي المثل المشهور : الطمع ضر وما نفع ، وما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع .
* * *
الحكمة الخامسة عشرة « 1 » « من رأيته مجيبا عن كلّ ما سئل ، ومعبّرا عن كلّ ما شهد ، وذاكرا كلّ ما علم ، فاستدلّ بذلك على وجود جهله » .شرح الحكمة : هذه الحكمة تتضمن ثلاثة أمور : الإجابة عن كل سؤال ، والتعبير عن كل مشهود ، والتكلم بكل ما يعلم . وهي تدل على جهل من تصدر عنه . فأي إنسان صادفته يجيب عن كل ما يسأل عنه ، ويعبر عن كل ما يراه من أمور ، ويتكلم بكل ما يعلمه من علوم ، فاستدل بهذه الأمور الثلاثة على جهل هذا الرجل المتصف بها .
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 70 ) في النص الكامل للحكم .


وسنتكلم على كل صفة من هذه الصفات الثلاث كلّ على حدة لتوضيح الحكمة .
أما الأولى : وهي الإجابة عن كل سؤال ، فهذا يقتضي أنه أحاط بجميع العلوم والمعارف ، وهذا محال بدليل قوله تعالى :وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[ الإسراء : 85 ] .
هذا من وجه ، ومن وجه آخر على المسؤول عن مسألة أن يراعي حال السائل في سؤاله ، قيل للإمام الجنيد رحمه اللّه تعالى : يسألك الرجلان عن المسألة الواحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا ؟ 
فقال الجنيد : إن الجواب يكون على قدر السائل لا على قدر المسائل .
وروي أن أحد العلماء سئل عن مسألة فلم يجب عنها فقال له السائل : أما علمت أن من كتم علما نافعا ألجمه اللّه تعالى يوم القيامة بلجام من نار ؟ فقال له العالم : ضع اللجام واذهب ، فإن جاء من يستحقه وكتمته عنه فليلجمني . 
وقد سئل الإمام مالك رحمه اللّه تعالى عن اثنتين وثلاثين مسألة ، فأجاب عن ثلاث وقال في الباقي : لا أدري .
أما الفقرة الثانية : وهي التعبير عن كل ما يراه من أمور ، سواء كانت حسية تتعلق بالآخرين أو كانت معنوية تتعلق به هو ، من كرامات ومكاشفات وغير ذلك من أحوال ومقامات روحانية ذوقية ، فإن تعبيره عنها دليل على جهله ، لأنه بفعله هذا يكون مفشيا للأسرار ، وقديما قالوا : قلوب الأحرار قبور الأسرار ، وهتك الأسرار من شأن الأشرار . 
وقال الشاعر :لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة * فالسر عند خيار الناس مكتوم 
وأيضا فإن مثل هذه المشاهدات تعتبر أمورا روحانية وأسرارا ربانية لا يفهمها إلا من ذاقها ، 
وفي ذلك قالوا :لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها 
فلا فائدة ترجى من التعبير عنها . والدليل على ما ذكرنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر سيدنا حارث بن مالك الأنصاري بعدم التعبير عما رآه قائلا له : عرفت فالزم . والحديث بتمامه هو
أن الحارث بن مالك الأنصاري مرّ برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال له : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ » قال : أصبحت مؤمنا حقا ، قال : « انظر ما تقول ؟ فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ » فقال : قد عزفت نفسي عن الدنيا ، وأسهرت لذلك ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . فقال : « يا حارثة عرفت فالزم » ثلاثا « 1 » .
أما فيما يتعلق بالفقرة الأخيرة وهي : تحدّثه بكل ما علمه من علوم ، سواء أكانت مادية أم ربانية ، والاستدلال على جهله بتصرفه هذا ، فما ورد في الخبر :
« لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم » .
وقد قيل : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء باللّه ، فإذا أظهروه أنكره أهل الغرة باللّه » وقال سيدنا أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه : « حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم جرابين من العلم :
أما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم » . 
وللإمام زين العابدين علي بن الحسين رضي اللّه عنه قوله شعرا :
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
إني لأكتم من علمي جواهره * كي لا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا 
وقال الإمام الغزالي رحمه اللّه تعالى : قد تضر علوم الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالمسك والورد ( والجعل بضم الجيم حشرة الخنفس ) .
فعلى الإنسان العاقل أن لا يجيب عن كل ما يسأل عنه ، وأن لا يخجل من قوله لا أدري ، وأن لا يعبّر عن كل ما يشهده من أسرار وأذواق روحانية ، وأن لا يتحدث بكل ما علمه من معارف ربانية ، لكي لا يكذب من الآخرين ويوصف بالجهل أو بالكفر والزندقة .
* * *
الحكمة السادسة عشرة « 2 » « إن أردت أن يكون لك عزّ لا يفنى ، فلا تستعزّنّ بعزّ يفنى » .شرح الحكمة : إن الإنسان بفطرته يصبو إلى الجاه والعز ، ويحب أن يكون عزيزا بالدنيا ، وإنّ النفس تحث صاحبها على السعي جاهدا في سبيل الوصول إلى هذا العز ونيله ، ولكنها إن كانت أمّارة بالسوء جاهلة بربها محجوبة عنه بظلمات المعاصي
.............................................................................
( 1 ) المعجم الكبير للطبراني 3 / 266 ومصنف ابن أبي شيبة 7 / 226 .
( 2 ) ورقمها ( 86 ) في النص الكامل للحكم .


والشهوات ، فإنها تضلل الإنسان وتجعله يعتز بما يفنى ، فيتعلق بالمال والعشيرة والولد والمنصب والسلطان وغير ذلك من أمور الدنيا الفانية التي يظن أن عزه فيها فيشغل قلبه بها ، مع أنه لو ملك الدنيا جميعها واعتزّ بها إنما يكون قد اعتزّ بأقل من جناح بعوضة بدليل قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما صحّ عنه : « لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » « 1 » .

وأما الإنسان العاقل صاحب النفس المطمئنة بنور الإيمان ، فإنه يعتز بما يبقى ، لأنه يريد أن يكون له عز لا يفنى ، وهو : العز باللّه تعالى وبطاعته وامتثال أمره وموالاة أحبابه ، قال تعالى :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 )[ الرّحمن : 26 ، 27 ] وقال تعالى :مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً[ فاطر : 10 ] وقال تعالى :وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ( 56 )[ المائدة :
56 ] وقال تعالى :وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ[ المنافقون : 8 ] .
وروي عن سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه قوله : « من أراد الغنى بغير مال ، والكثرة بغير عشيرة فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة » أي من استعز باللّه تعالى لا يقدر أحد أن يذله ، ويروى في ذلك قصة الرجل الذي أمر هارون الرشيد بالمعروف فغضب منه وحنق عليه ، فقال : - أي هارون الرشيد - اربطوه مع بغلة سيئة الخلق لتقتله ، فلم تفعل معه شيئا ، ثم قال : اسجنوه وطيّنوا عليه الباب ففعلوا ، فرئي في بستان فأتي به فقال له : من أخرجك من السجن ؟ فقال : الذي أدخلني البستان ، فقال : ومن أدخلك البستان ؟ فقال : الذي أخرجني من السجن ، فعلم هارون الرشيد أنه لم يقدر على ذله ، وأمر الرشيد أن يركب الرجل وينادى عليه : ألا إن هارون أراد أن يذل عبدا أعزّه اللّه فلم يقدر » .
فعليك أخي المسلم ، إذا أردت أن يكون لك عز لا يفنى ، أن لا تستعز بغير اللّه تعالى القائل :أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً[ النّساء : 139 ] . وقال تعالى :وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً[ طه : 97 ] .
.............................................................................
( 1 ) الترمذي رقم 2320 .
* * *
الحكمة السابعة عشرة « 1 » : « متى أعطاك أشهدك برّه ، ومتى منعك أشهدك قهره ، فهو في كلّ ذلك متعرّف إليك ، ومقبل بوجود لطفه عليك » .شرح الحكمة : إن النفس البشرية تحب العطاء لأنه يوافق الهوى والطبع ، وتكره المنع لأنه يخالفهما ، لأن العطاء وجود والمنع عدم ، وهي تحب الوجود وتكره العدم ، فمن أعطاها من الخلق شيئا أحبّته لذلك ، ومن منع عنها شيئا سخطت عليه وكرهته ، ولذلك قيل : « جبلت النفوس على حب من أحسن إليها » وذلك شأن العبد مع ربه ، إذا أعطاه فرح وإذا منعه حزن ، مصداقا لقوله تعالى :فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 )[ الفجر : الآيتان 15 ، 16 ] .
وهذه الحكمة تحدثنا عن العلاقة بين اللّه تعالى وبين عبده في العطاء والمنع ، فهي تبين أن اللّه تعالى إذا أعطى عبدا شيئا فإنه يكون بذلك العطاء يريد أن يشهده برّه ولطفه به وفضله عليه ، وإن منع عنه شيئا بأن حرمه ما يوافق طبعه وهواه ، أو ابتلاه بما يكره ، فإنه يكون بذلك المنع يريد أن يشهد عبده القهر الإلهي ، قال تعالى :وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ[ الأنعام : 18 ] وفي كلتا الحالتين : العطاء والمنع يتعرف العبد على لطف اللّه تعالى به ، قال تعالى :وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 216 ] .
فلطف اللّه تعالى لا ينفك عن العبد سواء في العطاء أم في المنع . قال تعالى :أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 )[ الملك : 14 ] فاللّه تعالى لطيف بعبده خبير بما يصلحه وبما يفسده ، قال الشيخ ابن عطاء اللّه الإسكندري مؤلف هذه الحكم :
« من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره » .
فالحق تعالى يريد من عبده المحسن السالك طريق معرفته : - المسلم والمؤمن والمحسن السائر والسالك على الصراط المستقيم صراط الدين الكامل الموصل إلى معرفة اللّه تعالى - أن يشهد عند العطاء صفاته الجمالية ، من الرحمة والجود والبرّ والكرم والإحسان واللطف وغير ذلك ، وأن يشهد عند المنع صفاته الجلالية ، من القهر والكبرياء والعزة والاستغناء وغير ذلك ، فيصل العبد عند ذلك إلى درجة الكمال
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 93 ) في النص الكامل للحكم .


الديني ، فيعرف معنى قوله تعالى :لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ[ الحديد : 23 ] 
والمؤمن إذا أعطاه اللّه تعالى شكر ، فأثابه اللّه تعالى على هذا الشكر ، وإذا منعه صبر ، فأثابه اللّه تعالى على هذا الصبر ، فكل شؤون المؤمن خير ، وهذا هو عين اللطف الإلهي بعباده ، فمتى أعطاهم أشهدهم برّه ، ومتى منع عنهم أشهدهم قهره ، وهو في كل ذلك متعرف إليهم بإشهادهم لطفه تعالى عليهم .
* * *
الحكمة الثامنة عشرة «1» « نعمتان ما خرج موجود عنهما، ولا بدّ لكلّ مكوّن منهما : نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد ».شرح الحكمة : هذه الحكمة تتحدث عن نعمة إيجاد المخلوقات من العدم ، وعن نعمة إمدادها بالوجود ، وقبل الشروع في بيان معناها العام ، أشرح بعض الألفاظ الواردة فيها ، ليسهل علينا بعد ذلك فهمها . 
إنّ المراد بكلمة ( موجود ) : ممكن الوجود وهو : ما يتصور في العقل وجوده وعدمه ، ويسمى أيضا بالجائز ، أي : يجوز في حقه الوجود والعدم ، ويسمى أيضا بالحادث ، أي : حدث بعد أن لم يكن . 
والمراد من قوله ( مكوّن ) أي : مخلوق من كون الشيء أي : أحدثه وأوجده . وهي تبين المراد من كلمة موجود الواردة سابقا ، فخرج بها الموجود الواجب كذاته اللّه تعالى وصفاته .
أشرع في بيان معنى الحكمة العام فأقول : إن كل ما سوى اللّه تعالى من المخلوقات أصله العدم السابق على الوجود ، قال اللّه تعالى :هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 )[ الإنسان : 1 ] 
وقال اللّه تعالى :وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً[ مريم : 9 ] فأول نعمة أنعمها اللّه تعالى على الموجودات هي إخراجها من العدم إلى الوجود فهذه هي نعمة الإيجاد .
وأما النعمة الثانية فهي نعمة الإمداد وبيانها : أن الكائنات بعد وجودها من العدم دائمة الافتقار إلى غنى اللّه تعالى ليمدها بالبقاء ، قال اللّه تعالى :* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 )[ فاطر : 15 ] 
وقال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا[ فاطر : 41 ] 
فالعالم دائم الاحتياج إلى أن يمده اللّه تعالى بأسباب وجوده من المنافع التي تقتضي بقاء صورته ومعناه ، قال الشيخ أبو
.............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 97 ) في النص الكامل للحكم .


مدين رحمه اللّه تعالى : « الحق ممد والوجود مستمد ، والمادة من عين الجود فلو انقطعت المادة انهدم الوجود » . وكلامه هذا مستمد من قول اللّه تعالى :أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 )[ ق : 15 ] .
فعلى الإنسان أن يداوم على شكر اللّه تعالى الذي أنعم عليه حسا ومعنى ، قال اللّه تعالى :وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً[ لقمان : 20 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه »« 1 » 
ونعمه تعالى الظاهرة هي : كل ما فيه بقاء أجسادنا من غذاء ولباس ومسكن ، 
ونعمه الباطنة هي : كل ما فيه تزكية نفوسنا وتطهير قلوبنا وتفتّح عقولنا وترقّي أرواحنا . 
فالحمد للّه الذي حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا ، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، قال اللّه تعالى :وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً[الحجرات : 7، 8].
* * *
الحكمة التاسعة عشرة « 2 » « لا يخاف عليك أن تلتبس الطّرق عليك ، وإنّما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك » .شرح الحكمة : هذه الحكمة تتحدث عن أمرين : الأول عدم الخوف على المسلم من خفاء الطرق الموصلة له إلى مولاه عزّ وجل ، والثاني الخوف على السائر إلى اللّه تعالى من أن يتبع هواه . 
وقبل الشروع في شرح هذه الحكمة لا بد من تفسير معنى الهوى لأن فهم معناه يسهل علينا فهمها .
الهوى : مصدر هواه إذا أحبه واشتهاه وجمعه الأهواء ، ثم سمي به المهوي المشتهى محمودا كان أو مذموما ، ثم غلب على غير المحمود ، فيطلق على من زاغ عن طريقة أهل السنة والجماعة وكان من أهل القبلة فيقال : فلان اتبع هواه .
وعرّف الهوى أيضا : بأنه الميل إلى الشهوات والمستلذات من غير داعية الشرع ، وبأنه ميل النفس إلى ما يلائمها من الشهوات ، وإعراضها عما ينافرها ، وقد يطلق الهوى ويراد به مطلق الميل والمحبة ليشتمل على الميل للحق وغيره ، وقال الشعبيّ رحمه اللّه تعالى وهو من التابعين : إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه . وبعد بيان معنى الهوى ، 
.............................................................................
( 1 ) رواه الترمذي عن ابن عباس وصححه حديث رقم ( 3789 ) .
( 2 ) ورقمها ( 107 ) في النص الكامل للحكم .


أبدأ بشرح الحكمة فأقول : إنه لا يخاف على المسلم أن تلتبس عليه الطرق التي توصله إلى اللّه تعالى ورضوانه ، لأن اللّه تعالى قال :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً[ المائدة : 3 ] . 
وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي »
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم أيضا : « تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك » .
فبما أن طريق الهدى واضح وهو كتاب اللّه تعالى وسنة نبيه ومن اتبعهما لن يضل أبدا ، لم يبق إلا أن يخاف على المسلم أن يغلبه هواه فيتبعه فيضل عن الصراط المستقيم ، وضلاله من وجهين : إما أن هواه سيدفعه إلى الانغماس في شهوات الدنيا ومستلذاتها فتفسد نفسه ويقسو قلبه ويسوء عمله ، وإما أن يدفعه إلى البدع والاعتقادات الباطلة فيزيغ عقله ويضعف إيمانه ويتلاشى فيخسر آخرته التي فيها حياته الأبدية . قال اللّه تعالى :وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ[ الأنعام : 119 ] ، 
وقال اللّه تعالى :وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ[ القصص : 50 ] ، 
وقال اللّه تعالى :أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ[ الجاثية : 23 ] 
قال سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه : « أخاف عليكم اثنين : اتباع الهوى وطول الأمل ، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق وطول الأمل ينسي الآخرة » وقال الحسن البصري وهو من كبار التابعين : « أفضل الجهاد ، جهاد الهوى » .
إن اتباع الهوى يؤدي إلى فساد الفرد والمجتمع بل والعالم مصداقا لقوله تعالى :وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ[ المؤمنون : 71 ] .
فعليك أخي المسلم أن تخالف هواك وتجعله يسير تبعا لما جاء به سيدنا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم لتفوز بجنة ربك ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به »
وقال اللّه تعالى :وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 )[ النّازعات : الآيتان 40 ، 41 ] .
* * *
الحكمة العشرون « 1 » : « أمرك في هذه الدّار بالنّظر في مكوّناته وسيكشف لك في تلك الدّار عن كمال ذاته » ..............................................................................
( 1 ) ورقمها ( 116 ) في النص الكامل للحكم .

شرح الحكمة : قبل الشروع في شرح الحكمة وذكر المقصود منها أوضح نصها فأقول : أمرك ( أي اللّه تعالى ) في هذه الدار ( أي الدنيا ) بالنظر ( أي بالتفكر والاعتبار ) في مكوناته ( أي مخلوقاته ) وسيكشف لك ( أيها المسلم ) في تلك الدار ( أي الآخرة ) عن كمال ذاته ( أي عنها وذلك بشهودها مصداقا لقوله تعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 )[ القيامة : 22 ، 23 ] .
أبدأ في الشرح فأقول : إن غاية خلق الإنسان والعالم هي معرفة اللّه تعالى بدليل قوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )[ الذّاريات : 56 ] فسّر سيدنا عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قول اللّه تعالى :لِيَعْبُدُونِ[ الذّاريات : 56 ] ب « ليعرفون » ، ويكون الحق تعالى عبّر عن الغاية التي هي المعرفة بالوسيلة التي هي العبادة . والعبادة متنوعة منها ما هو حسي متعلق بالجوارح كأركان الإسلام ، ومنها ما هو معنوي روحي متعلق بركني الإيمان والإحسان .
وهذه الحكمة تتحدث عن عبادة التفكر والاعتبار التي تتحقق من خلال النظر في الآفاق والأنفس ، وقد أمرنا اللّه تعالى بها في قوله :قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ يونس : 101 ] وقوله :وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ[ آل عمران : 191 ] 
وقوله تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[ فصّلت : 53 ] .
إن النظر في المكونات والتفكر فيها يوصل إلى معرفة اللّه تعالى . قال أبو العتاهية :وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحدإن الأثر يدل على المؤثر ، والصنعة تدل على الصانع ، وقال أعرابي : إن البعرة تدل على البعير ، والسير يدل على المسير ، أفأرض ذات فجاج وسماء ذات أبراج أفلا تدل على الواحد القهّار . 
إن نظر هذا الأعرابي في مخلوقات اللّه وتفكره فيها أوصله إلى الاعتراف بوجود اللّه تعالى الواحد القهّار . 
فكل جزء من أجزاء هذا العالم إما أن يدل على صفة من صفاته تعالى ، وإما أن يدل على اسم من أسمائه تعالى ، وإما أن يدل على فعل من أفعاله تعالى ، فهو بمجموعه يوصل العبد إلى معرفة وحدانية اللّه تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه .
وقد أمرنا شرعا بالتفكر في خلق اللّه ولم نؤمر بالتفكر في ذاته تعالى ، لأن اللّه عزّ وجل لا يدرك من حيث الحقيقة والكنه والماهية ، قال اللّه تعالى :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[ الأنعام : 103 ] . وإنما نعرف منه تعالى صفاته وأسماءه وأفعاله ، ونعرف آثار هذه الصفات والأسماء والأفعال ، لذلك قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في اللّه » .
والشريعة المطهرة بما فيها من إسلام وإيمان وإحسان تؤهل الإنسان لرؤية اللّه تعالى في الآخرة مصداقا لقوله تعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 )[ القيامة : 22 ، 23 ] ، 
وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته » « 1 » .
وهذا هو المقصود من الحكمة في شطرها الأخير : « وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته » .
* * *
عبدالله المسافربالله يعجبه هذا الموضوع

thumb_up1أعجبنيthumb_downلم يعجبني
removeمواضيع مماثلة
الحكم العطائية من 01 الى 10 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
الحكم العطائية من 21 الى 30 كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
المقدمة لكتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري شرح د. عاصم إبراهيم الكيالي
الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري
رسائل الشيخ ابن عطاء الله السكندري لبعض إخوانه .كتاب غيث المواهب العلية فى شرح الحكم العطائية
power_settings_new قم بتسجيل الدخول للرد
الرئيسية
جديد المنتدى
دخولعلمنى الشوق كيف اهواك
وأتمنا أنال ودك ورضاك
ما لى غيرك حبيب سواك
وروحى تسالنى متى أراكابحرت من حياتى كا الربان----وانا غريق الهوى مشتاق
طوت الافاق بعيد المنال---وانا اغرق اغرق بين الاحضان
عادت والدمع بعينها انهار----وتلقى الى بطوق الامانى والاوهام
لا تعودى الى بحرى الصافى----شباكك لم تعد تنال هواكى
شواهدك فى قلبى تنير ايامى وامانى
رحماك ياربى من شواهد الاحبابىعيناك تغشانى انا ام هو----يا ويلى من من قلبى اكتوى
سالت قلبى اين حبيب هوى----حبيبك عشق انفاسك وهوى
سالت عيناك هل ترانى ----قالت انفاسك لى بحر الهوى
لا ترمينى فى بحر غرامك ---وشراع قلبى ما لة من هوىأحببتك يقلب لا يعرف الإرتداد ، وكأن كل الظروف خلقت لتثبت أنك إستثنائي

الوحيدهاتى عيناك فى انفاسى---تحيا عشقا لفوادى
هاتى لمساتك فى وجدانى----تذوب حبا فى انفاسى
هاتى هواكى ينادى احلامى---حتى اراكى فى احلامى
هاتى انغامك تشدوا منامى---عشقا فى اوتارى
هاتى ما حبة فوادك----فانا بلا قلبا اهواكى
هاتى انفاسك تذوب شوقا----واتنفس من فوادك الاشواقى
ربما تحتوي الصورة على: ‌‌‏نبات‏ و‏زهرة‌‌‏حروفى فى ليلى انغام
وفى صباحى امانى ايام
معانى خطها ترانيم انغام
رسمت فى وجدى اثامقالت لى ساقتلك بانفاسى---حتى ارتوى بكل كيانى
سامنع انفاسك تنسال--- حتى اشبع من هواك
ستكون انت وانفاسك---داخل قلبى بكل الاشواق
دعنى اروى شريانى---بنسيم وعطر انفاسك
----- خلينى اتنفس من انفاسك ----حتى تحيا روحى بهواك
اصارع امانى واحب انفاسك ---كانها بلسم من انوارك
لن اترك فائك بيدى ---حتى انال ما يشغى فوادى
 ساخنقك بانفاسى---حتى اموت انا من هواك

ليست هناك تعليقات: