المقدمة
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارة عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِداَدٌ لاَ يَعْصُوْنَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }(1).
لقد ضرب النبي صلى الله عليه و سلم المثل الأعلى في الرفق في تربية الأطفال وعلاج أخطائهم بروح الشفقة والرأفة والعطف والرحمة، ومعرفة البواعث التي أدت إلى هفواتهم والعمل على تداركها وإفهام الأولاد نتيجتها، ولم يقر صلى الله عليه و سلم الشدة والعنف في المعاملة مع كل الفئات ولاسيما الأطفال، واعتبر الغلظة والجفاء في معاملة الأولاد نوعاً من فقد الرحمة من القلب، وهدد المتصف بها بأنه عرضة لعدم حصوله على الرحمة من الله حيث قال عليه السلام للأقرع بن حابس لما أخبر أَنَّه لا يُقبِّلُ أَولاَدَهُ قال عليه السلام : >من لا يرحم لا يُرحم<، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَبَّلَ رسول الله صلى الله عليه و سلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع : إِنَّ لِي عشرة من الولد ما قَبَّلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال : >من لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ<.
ولا شك أن القسوة في معاملة الولد مثبطة للهمة قاتلة للذكاء مؤدية للذل باعثة على النفاق، والنبي صلى الله عليه و سلم قد عمل على إدخال السرور في قلوب الأطفال حيث كان يُقَبِّلهم ويداعبهم ويحملهم في صلاته، ويقوم صلى الله عليه و سلم بتنظيفهم.
أخرج الإمام أحمد أن أسامة عثر بعتبةِ الباب فدمي فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يمصه ويقول : لو كان أسامة جارية لحليتها ولكسوتها حتى أنفقها.
وعن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها(2)، وروى عبد الله بن شداد قال : >بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد... فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته قالوا : قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر فقال صلى الله عليه و سلم :>إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته< (3).
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيتي يوماً إذ قال الخادم إن فاطمة وعلياً رضي الله عنهما بالسُدَّة، قالت : فقال لي قومي فتنحي عن أهل بيتي فقالت : قمت فتنحيت في البيت قريباً...فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبَّلهما.
وأخرج البخاري من حديث أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت : أتيت رسول مع أبي وعليَّ قميص أصفر، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : >سنةْ ... سنةْ<، قال عبد الله : وهي بالحبشية حسنة. قالت فذهبت ألعَبُ بخاتم النبوة فزجرني أبي، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : دعها ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أبْلي وأخْلِقِي ثم أبْلي وأخْلِقي ثم أبْلي وأخْلِقي، قال عبد الله : فَبَقِيَتْ حتى ذكر يعني من بقائها(4).
قال الإمام ابن حجر العسقلاني في الفتح (قال عبد الله فبقيت حتى ذكر) أي ذكر الراوي من بقائها أمداً طويلاً، قال أبو عبد الله : لم تعش امرأة مثل ما عاشت هذه يعني أم خالد، قلت : وإِدراك موسى بن عقبة لها دال على طول عمرها لأنه لم يلق من الصحابة غيرها(5)، قال ثابت عن أنس رضي الله عنه :أخذ النبي صلى الله عليه و سلم إبراهيم فقبله ثم شَمَّهُ، وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول عن الحسن والحسين : >هما ريحانتاي من الدنيا<.
وأخرج البخاري من رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت :>جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : أَتُقَبِّلون صبيانكم ؟ فما نُقَبِّلهم. فقال النبي : >أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة< وأخرج البخاري عن رواية أسامة بن زيد رضي الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمهما ثم يقول : >اللهم أحبَّهُمَا<ا(6).
وكان صلى الله عليه و سلم يُسلّم على الصبيان ويداعبهم ويتلطف بهم، فقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال لأخ صغير لأنس بن مالك : >يا أبا عُمَيْر ما فعل النُّغَيْر؟< والنغير إسم لطائر يشبه العصفور كان يلعب به أبو عُمَيْر فمات، فكان صلى الله عليه و سلم يداعب الصبي ليخفف عنه، ويزيل حزنه بفقد الطائر الذي كان يلعب به.
وكان التلطف بالصبيان من عادة رسول صلى الله عليه و سلم ، فكان يقدم من السفر فيتلقاه الصبيان فيقف عليهم، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم، فربما تفاخر الصبيان بعد ذلك فيقول بعضهم : حملني رسول الله صلى الله عليه و سلم بين يديه وحملك أنت وراءه، ويقول بعضهم : أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم.
وكان يُؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره، فربما بال عليه الصبي فيصيح بعض من يراه، فيقول صلى الله عليه و سلم : لا تزرموا الصبي، فيدعه حتى يقضي بوله ثم يفرغ من دعائه له وتسميته، ويبلغ سرور أهله فيه لئلا يروا أنه تأذى ببوله، فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده.
أخرج البخاري من رواية عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم وضع صبي في حُجْرِهِ يحنكه فبال فدعا بماء فأتبعه، ومن هذه النصوص يتبين مدى عناية المصطفى صلى الله عليه و سلم بالأطفال، وشفقته بهم وحرصه على إدخال السرور عليهم، فالأطفال هم بعض الحاضر وكل المستقبل فيحتاجون إلى بناء شخصيتهم وإشعارهم بالاهتمام بهم، وهذا بلاشك يترك آثاراً حسنة في نفوسهم ويعودهم على الثقة بالنفس ويربي فيهم العزة والأنفة وحب الغير والتآخي ويشيع بينهم المودة.
وقد أخذ الخلفاء والصحابة رضي الله عنهم بنهج النبي صلى الله عليه و سلم في الترفق بالأطفال وأخذهم باللين، والشفقة والعطف، فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يهابه عظماء الرجال تأخذه الرقة واللين بالأطفال، ويستنكر الغلظة والشدة في معاملتهم، ويعتبر ذلك من الأمور المخلة بأهلية الإنسان في الولاية على الغير.
فقد دخل عليه أحد عماله وولاته فوجد عمر مستلقياً على ظهره وصبيانه يلعبون حوله فأنكر عليه سكوته على لعب الأطفال من حوله، فسأله عمر : كيف أنت مع أهلك ؟ فأجاب : إذا دخلت سكت الناطق، قال عمر : اعتزل عملنا، فإنك لا ترفق بأهلك وولدك فكيف ترفق بأمة محمد صلى الله عليه و سلم ؟.
فالخليفة الراشد يضرب مثلاً في حسن معاملة الأهل والولد والسعي في إدخال السرور عليهم، ليتربوا تربية حسنة بعيدة عن الخوف والجبن ويظهروا بمظهرهم الطبيعي حتى يمكن تقويمهم وتهذيبهم، وتشجيعهم وتكريمهم إن أحسنوا.
وقد عزل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه هذا الوالي لجفائه وشدته وقسوته وغلظته مع أقرب الناس إليه من الأهل و الأولاد؛ لأَن من يفعل هذا مع أسرته يكون مع الناس أشد جفاء وغلظة وقسوة في المعاملة، لقد كان أمير المؤمنين خير مثل في الرفق والعدل وحسن السياسة وسداد الرأي.
ومن الإحسان إلى الأطفال تعليمهم حسن الأدب، عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص قال : عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :>ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن< أي ما أعطى والد ولده، قال في النهاية النحل العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق، أي من تعليمه ذلك ومن تأديبه بنحو توبيخ أو تهديد أو ضرب، على فعل الحسن وتجنب القبيح، فإن حسن الأدب يرفع العبد المملوك إلى رتبة الملوك(7)، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : > ما ورَّث والد ولداً خيراً من أدب حسن<.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق