الدعــوة إلى الله
.. من البداية إلى النهاية..
أيها السادة المسلمون أنتم شامة بين الناس لا لأنكم تمتازون عن زملائكم في الشارة واللباس ، بل لأنكم تمثلون تلك الأمة العظمية التى كانت ولا تزال شامة بين الأمم .
* حال العالم قبل ظهور الأمة المحمدية :
كان العالم قبل ثلاثة عشر قرناً سائراً سيره الطبيعى لا ينكر من أمره شئ ، فكانت القرى والمدن عامرة بالسكان ، وكانت العواصم الكبرى زاخرة العمران ، شامخة البنيان ، وكانت الحرف البشرية ووجوه المعاش فى ازدهار وانتشار ، كانت الزراعة ، و كانت التجارة ، وكانت الصناعة ، فبينما كانت سكة الفلاح فى شغل ونشاط ، كانت القوافل التجارية غادية رائحة بين الشرق والغرب ، وكانت الأسواق مشحونة بالمتاجر والبضائع وكان الصانعون مكبين على أعمالهم ، وكانت الحكومات والإمارات والدول غنية بأموالها ورجالها لكل وظيفة رجل كفؤ بل رجال أكفاء وكان على وجه الأرض من كل نوع من البشر وكل لون من الحياة وكل مظهر من مظاهر المدنية ، لا يرى فى الحياة الإنسانية المادية عوزاً وفراغ ولم تكن فى المدنية وظيفة شاغرة يترشح لها مترشح جديد ، وكانت كأس الحياة مترعة فائضة لا تطلب المزيد .
* ظهور الأمة المحمدية :-
فى هذه الحال ظهرت أمة فى جزيرة العرب ووجد نوع جديد من البشر ، وكأنى بالأمم المعاصرة وهى تتساءل : أى داع إلى ظهور أمة جديدة والأمم على وجه الأرض كثيرة منتشرة وما شغل هذه الأمة الحديثة وما مهمتها فى العالم ..؟!
* هل بعثت الأمة للزراعة ؟
إذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للزراعة وعمارة الأرض فقد كان فى فلاحى الطائف وأكارى مدينة يثرب ، وزراع وادى الفرات والنيل وربوع كنكا وجمنا غنى عن أمة زراعية جديدة فقد أصبحت أراضى هؤلاء الفلاحين وبلادهم جنة تدر لبناً وعسلا ، وإذا كان المسلمون إنما بعثوا ليشتغلوا بالزراعة فقط فلماذا لم يبعثوا فى العراق والشام وفى مصر والهند مثلاً وهى بلاد مخصبة زراعية ولماذا كان مبعثهم فى وادٍ غير ذى زرعٍ ؟
* وهل بعثت الأمة للتجارة ؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للتجارة فقد كان فى يهود يثرب وفى أنباط الشام وفى أقباط مصر وتجار السند كفاية ، فقد أحكموا فن التجارة وانتشروا فى العالم ، وإذا كانوا قد بعثوا ليشتغلوا بالتجارة حقاً ، فلماذا لم يبعثوا على طريق القوافل التجارية وبالقرب من أسواق التجارة الكبرى ؟
* وهل بعثت الأمة للصناعة ؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للصناعة وأعمال اليد فقد كان فى قيون البلاد المتمدنة وأصحاب الصنائع والحرف - وإنهم لكثير – غنى وكفاية ..!!
* وهل بعثت الأمة لتنضم إلى الحكومات ؟
وإذا كانت هذه الأمة بعثت لتنضم إلى الحكومات الرومية والإيرانية وتشغل أفرادها وظائف هذه الحكومات ومناصبها ، فقد كان فى أهل الشام وفارس غنى وكفاية فى الإدارة ويزاحمون الأجانب بالمناكب ويدفعونهم بالراح .
* وهل بعثت الأمة للتوسع في الشهوات والملذات ؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت لعيش هنيئ ، ومطعم شهى ، ومشرب مرئ ، وملبس رضى ومسكن بهي لا لشئ آخر ، وإنما مناها وهمها أن تلقى لبوساً ومطعماً لم تكن بدعاً من الأمم ، وكانت منافسة لنا فحق لنا أن نقاتلها ونذودها عن مناهلنا وقد ضاقت بنا مواردنا فكيف تسع أمة جديدة ؟
* وهل تريد ملكا ؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما تحاول ملكاً أو تريد أن تؤسس دولة فيجب أن تصرح بذلك ولا تتظاهر بالدين وتتخذ لذلك طريق الملوك والفاتحين .
وإن الطريق إلى كل ذلك .. من زراعة وتجارة وصناعة ووظيفة وحياة بذخ وترف وملك وشرف غير الطريق التى سلكتها هذه الأمة الجديدة التى سفهت أحلامنا وعابت آلهتنا ونعت علي عقائدنا وأخلاقنا وأعمالنا ودعت إلى دين جديد وسارت فى سبيل ذلك فى شوكة وقتاد وجاهدت فى غير جهاد ، فقد كان الطريق إلى كل ذلك مسلوكة معبدة قد سلكتها الأمم من قبل .
هذا يا سادتى ما أظنه قد تناجى به ضمير الإنسان الحى فى فجر الإسلام ، ولا ألومه ، ولا أستغرب هذا السؤال ، فإن هذا السؤال طبيعى ينبغى أن يهجس فى قلب الإنسان وينطق به اللسان عند كل ناشئة ، فلماذا لا ينشأ هذا السؤال عند ظهور أمة بأسرها ..؟
ما هو الجواب ..؟ إذا كان الجواب فى الإثبات وإذا كان مبعث هذه الأمة فى الحقيقة لشئ مما ذكرنا ، ولم تكن لهذه الأمة مهمة جديدة فى العالم ورسالة خاصة إلى الأمم كانت هذه الأمة حقاً من فضول الأمم ومن المتطفلين على مائدة العالم ..!!
ولكن لم يكن مبعثها لهذا ولا ذاك ، والأمم والأشخاص لا يبعثون لشئ من هذا وإنما هى من طبائع البشر لا تحتاج إلى نبوة النبى وبعثة أمة وجهاد طويل وزلزال عالمى لم يسبق فى التاريخ ، زلزال فى المعتقد والأخلاق والمجتمع والميول والنزعات وفى نظام الفكر ومنهاج الحياة .
* لقد بعثت الأمة لغرض سام جداً .
لقد كان مبعثها لغرض سامٍ جداً ، لمهمة غريبة طال عهد الإنسانية بها وتشاغلت أمم الأنبياء عنها حتى نسيتها وذلك ما خاطب به الله I هذه الأمة ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ (1) فنبه على أن هذه الأمة ليست نابتة نبتت فى الأرض كأشجار برية أو حشائش شيطانية بل أنها أمة أخرجت ولأمر ما أخرجت ، وإنما لم تظهر لمصلحتها فقط كسائر الأمم بل أنها أخرجت للناس ، وذلك ما تمتاز به هذه الأمة فى التاريخ فما من أمة إلا وهى تسعى لأغراضها كأنما خلقت لها ، وهى خير أمة أخرجت للناس وذلك يرجع إلى شغلها ومهمتها وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله .
* في أي مكان ظهرت هذه الأمة ؟
ظهرت نواة هذه الأمة فى مكة فى قلب جزيرة العرب .
* مجابهه قريش لها :
فقام العقلاء من قريش وهم الآخذون بزمام الحياة فى البلاد – ونثروا كنانتهم وقاسوا الناشئة الجديدة بمقاييسهم التى عرفوها وألفوها ووزنوها فى ميزان الإنسان الذي طالما وزنوا فيه أصحاب الطموح فوجدهم خفيفة الوزن طائشة الكفة وذهبوا إلى إمام الدعوة الإسلامية وأول المسلمين فى العالم - e - فقال قائلهم " إنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع منى أعرض عليك أموراً تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها .
قال فقال له رسول الله e قل يا أبا الوليد أسمع .
قال يا ابن أخى إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت إنما تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا .
استمع رسول الله e لكل ذلك فى هدوء وتأنٍ ، ثم رفضه فى غير شك ولا تأخير ، ولم يكن هذا العرض من قريش على شخص الرسول e بل كان على هذه الأمة التى كان يمثلها ويقودها ، ولم يكن رفض رسول الله e لما عرضت قريش رفضاً عن نفسه الكريمة فقط بل كان رفضاً عن أمته إلى آخر الأبد .
اقتنعت قريش بهذه المحاورة ويئست من مساومة هذه الأمة ولم تعد تعرض على الرسول e مباشرة وعلى هذه الأمة بواسطة ما عرضت من قبل وقطعت منها أملها .
وكان بعد ذلك صراع مستمر ونزاع طويل ولم يكن نزاعاً فى أغراض المادة ، وشهوات البطن والاستئثار بموارد الرزق والتغلب على الأسواق بل كان نزاعاً بين الإسلام والجاهلية بمعنى الكلمتين نزاعاً بين حياة العبودية والانقياد لله I ولرسوله e ، وبين الحياة الحرة المطلقة التى لا تعرف قيداً ولا تخشى معاداً ولا حساباً .
* غزوة بدر وبيان مهمة الأمة :
وكان فى نتيجة ذلك معركة بدر الحاسمة ، وقد قاد النبى الكريم e إلى ساحة القتال جيشاً لا يزيد عدد المقاتلين فيه على ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً والجيش المنافس فيه ألف ، وكان النبى e يعلم يقيناً أن لو وكل المسلمون إلى أنفسهم وقوتهم المادية لكانت النتيجة معلومة واضحة ، نتيجة كل قليل ضعيف أمام قوى كثير العدد .
فزع الرسول الكريم e إلى الله U فى إنابة نبى وإلحاح عبد ودعاء مضطر وشفع لهذه العصابة فى كلمات صريحة واضحة نيرة خالدة هى خير تعريف لهذه الأمة وبيان لمهمتها وغرضها الذى خلقت له .
لم يقل رسول الله e لو هلكت هذه العصابة وكانت فريسة للعدو أقفرت المدينة وأوحشت أسواقها وكسدت التجارة ، وبطلت الزراعة أو تعطل شغل من أشغال الحياة أو وقفت إدارة الحكومات ، لم يقل رسول الله e شيئاً من ذلك لأن شيئاً منها لم يتوقف على المسلمين ولم يقم بهم بل كان قبل وجود المسلمين ولا يزال فى غنى عنهم .
ولكن الرسول الكريم e ذكر شيئاً بعث المسلمون لأجله وقام بالمسلمين وحدهم فقال " اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد .."
* شرط بقاء الأمة :
أجاب الله U دعاء النبى الكريم e وقضى بانتصار المسلمين على عدوهم وبقائهم ، فكأنما كان بقاء المسلمين مشروطاً بقيام حياة العبودية بهم وقيامهم بها ، فلو انقطعت الصلة بينهم وبين العبادة ورواجها وازدهارها فى العالم انقطعت الصلة بينهم وبين الحياة ولم يبق على الله لهم حق وذمة ، وأصبحوا كسائر الأمم خاضعين لنواميس الحياة وسنن الكون بل كانوا أشد جريمة وأقل قيمة من الأمم الأخرى إذ لم يشترط لبقائها وحياتها مثل ما اشترط لهم وكان كما أخبر الله U ] قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً [ (1) .
وقد حافظ المسلمون على هذا الشرط وبروا بهذا العهد وتذكروا أنهم إنما نُصروا على عدوهم ، وقد كاد يأتى عليهم ويستأصلهم فى ساحة بدر ، وتركوا على ظهر الأرض لأن عبادة الله I منوطة بهم على أرض الله U .
بهذه الرسالة انبثوا فى العالم وحملوها إلى الملوك والسوقة والأمم ، وفى سبيل ذلك هاجروا وجاهدوا ولأجل ذلك حاربوا وعاهدوا ، ولم يزالوا يعتقدون أنهم مبعوثون من الله وحاملوا راية الإسلام فى العالم .
* ربعي بن عامر رضي الله عنه يبين لرستم قائد الفرس مقصد بعثة الأمة :
أرسل سعد قبل القادسية ربعى بن عامر إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابى الحرير وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة ، والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعى بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضه على رأسه فقالوا له ضع سلاحك ، فقال إنى لم آتكم وإنما جئتكـم حين دعوتمونى ، فإن تركتمونى هكذا وإلا رجعت ، فقال رستم ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق ، فخرق عامتها فقالوا له ما جاء بكم ؟ فقال الله إبتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله .. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضى إلى موعود الله U ، قالوا : وما موعود الله ؟ قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقى ..!! (1) .
* عتاب الله لمن تلكأ عن المهمة :
أباح الله U للمسلمين الطيبات وفسح لهم فى طرق الكسب ووجوه المعاش ولم يضيق عليهم فى ذلك فقال] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ[ (2)وقال U ] فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ (1) ولكن الله U لم يبعثهم لذلك أمة ، ولم يرضه لهم غاية ومهمة بل خلقهم للسعى للآخرة وخلق أسباب الحياة لهم قال النبى الكريم e " إن الدنيا خلقت لكم وإنكم خلقتم للآخرة " وجعل الحياة وأسبابها خاضعة لمهمتهم التى بعثوا لأجلها فإذا زاحمتهم فى سبيل مهمتهم أو غلبتهم عليها رفضوها وإذا تلكأ المسلمون فى ذلك عاتبهم الله U عتاباً شديداً وقال ] قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [ (2).
أراد الأنصار y أن يفرغوا لإصلاح أموالهم لأيام اكتفاء بأنصار الإسلام فعاتبهم الله U على ذلك وأنزل ] وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ (1) .
قال سيدنا أبو أيوب الأنصارى t .. إنما نزلت فينا معشر الأنصار ، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها فأنزل الله هذه الآية (2)
ولكن مع الأسف الشديد قد تشاغل المسلمون اليوم بالدنيا كالأمم الجاهلية وسعوا ورائها وعقدوا حياتهم بها ، فإذا أشرفتم على مدنهم وبلادهم من مرقب عالٍ لم تميزوا بينهم وبين أفراد أمة جاهلية ، سعى وراء المادة فى غير اقتصاد ، واكتساب من غير احتساب ، سهر فى غير طاعة ، وعمل فى غير نية ، تجارة فى لهو عن ذكر الله وحرفة فى جهل عن دين الله U ، ووظيفة فى الإخلاص لغير الله وحكومة فى مشاقة حكم الله ، شغل فى ضلالة ، وقعود فى بطالة ..!!
* حال الأمة اليوم :
هل إذا أطلعتم يا سادتى على بلاد إسلامية ورأيتم هذه الأمة فى غدواتها وروحاتها إلى الأسواق والإدارات ومصالح الحكومة عرفتم أنها أمة خلقت لشيء آخر ، وبُعثت لغرض آخر أسمى من هذه الأغراض التى يسعى لها الكافر والمؤمن ؟
* حجة ظاهرة علي المسلمين :
إن هذا الأسلوب من الحياة لحجة ظاهرة لأهل الجاهلية على المسلمين فلو نطقوا لقالوا ما ذنبنا أيها المسلمون إذ عرضنا على نبيكم المال والسيادة والملك فأبى ورفض كل ذلك ألا نراكم تسعون وراء الذى رفضه نبيكم كأنما خلقتم لأجله ، أما آذيتم نبيكم بقبول ما رفضه عنه وعنكم ؟!
وإذا كنتم تسعون لمال أو جاه أو شرف أو حكم على قطعة أرض فلماذا تظاهرتم بالدين وأقمتم وأقعدتم الدنيا لأجله وكدرتم علينا صفو العيش ، لقد كنتم وكنا فى غنى عن هذه الحروب الطويلة التى أيتمت البنين وأيئمت النساء وأجلت الناس عن الأوطان !
أعيدوا إلينا إذاً تلك الدماء التى أريقت فى ساحة بدر وأحد وحنين وخيبر واليرموك والقادسية ، وأعيدوا إلينا تلك النفوس التى قتلت فى سبيل الدين !
وماذا يكون جوابنا لو تعرض لنا أحد من أخلافهم الأحياء وقال ما غنائكم أيها المسلمون لقد سهمتمونا فى أسباب الحياة وخلفتم لنا فوق ذلك مشاكل كثيرة فى الحياة السياسية والاجتماعية ، ولا نراكم تسدون عوزاً وتصلحون خللاً أو تلمون شعثاً أو تقيمون زيغاً فى الحياة ..!!
عفواً أيها السادة وسماحاً أيها الكرام فقد طال العتاب وقديماً قال الشاعر العربى " وفى العتاب حياة بين أقوام " .
* لماذا كتب الله لنا الخلود والظهور ؟
إن حياة الأمم أيها السادة الكرام بالرسالة والدعوة وأن الأمة التى لا تحمل رسالة ولا تستصحب دعوة حياتها مصطنعة غير طبيعية ، وأنها كورقة انفصلت من شجرتها فلا يمكن أن تحيا بسقى ورى] فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [ (1) .
إننا أيها السادة أمة الحاضر وأمة المستقبل قد كتب لنا الخلود والنصر لأننا أصحاب دعوة ورسالة نبوية وهى الرسالة الأبدية التى قضى الله بخلودها وظهورها ، فلسنا تحت سيطرة المادة وحكم الزمان المنقلب بشرط أن نقوم بدعوتنا ونستقل برسالتنا ونعود أمة دعوة نبوية كما بدأنا دعوة فيما بيننا معشر المسلمين ودعوة فى غيرنا من الأجانب فى الدين .
* تخلف الأمة عن الأمم المعاصرة :
لقد تخلفنا عن الأمم المعاصرة فى العلوم الطبيعية والأسباب الحربية وفى الأخذ بأسباب الرقى المادى بعدة قرون ، وقد كانت المسابقة بيننا وبينهم كمسابقة الأرنب والسلحفاة إلا أن الأرنب كان ساهراً مع خفته وسرعته والسلحفاة نائمة رغم بطئها وثقلها ، ولو جارينا هذه الأمم اليوم لاستغرق ذلك قروناً ثم كانت المقارنة بحساب دقيق ، فإذا فاق العدو وسبقنا بشعرة فى القوة المادية والعدد الحربية رجحت كفته لأن المادة عمياء وهى من القساوة والحياد التام بمكان لا تفرق فيه بين المحق والمبطل والشريف والوضيع .
* ما الذي يقهر المادة ؟
ولكن الدعوة والرسالة– وهى الروح التى تقهر المادة وتسخر الأسباب وتستنزل النصر – تأتى بخوارق ومعجزات وطالما قهرت القاهر وفتحت الفاتح ، وطالما خضعت الحكومات القاهرة ودانت الملوك الجبابرة بقوة الدعوة والرسالة للمماليك والصعاليك وقد جربت ذلك هذه الأمة مرتين بوضاحة فى التاريخ .
مرة لما خرج العرب من جزيرتهم إلى البلاد الرومية والفارسية فى ثياب صفيقة مرقعة وفى نعال وضيعة مخصوفة يحملون سيوفاً بالية الأجفان رثة المحامل على خيل قصيرة متقطعة الغرز وسرعان ما قهرت دعوتهم ورسالتهم حللاً فاخرة وأعواداً أسندت إلى الجدار لحرمانها من رسالة وقعودها عن دعوة ، وكان الانتصار فى الأخيرة للرسالة على النظام وللروح على المادة وللمعنى على الظاهر .
ومرة ثانية لما قهر التتار – ذلك الجراد المنتشر – العالم الإسلامى من أقصاه إلى أقصاه وخضدوا شوكة المسلمين فلم تقم لهم قائمة ولم يقف فى وجههم واقف وكاد المسلمون يصبحون أثراً بعد عين واستولى اليأس على قلوبهم حتى كان من الأمثال السائرة " إذا قيل لك أن التتار هُزموا فلا تصدق " هناك فعلت الدعوة الإسلامية فعلها ونفذت فيهم فإذا القاهر يصبح مقهوراً وإذا الفاتح مفتوح لدين المفتوحين وإذا التَتَر يلفظون بكلمة الإسلام ويدينون برسالة محمد e ويصبحون أمة إسلامية .
* العالم بأسرة ينتظر رسل المسلمين :
وأن الرسالة الإسلامية لتأتى بالمعجزات اليوم وتقهر الأمم - طوعاً لا كرهاً بسلطانها الروحى ونفوذها العجيب .
إن آبائكم أيها السادة المسلمون قد انتشروا فى عواصم الجاهلية الأولى ومراكزها الكبرى يقولون " الله إبتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " وخلصوا الأمة الرومية من عبادة المسيح والصليب والأحبار والرهبان والملوك وخلصوا الأمة الفارسية من عبادة النار وعبودية البيت الكيانى ، والأمة الطورانية من عبادة الذئب الأبيض والأمة الهندية من عبادة البقر إلى عبادة الله وحده وأخرجوها فعلاً من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، والعيون تنتظر منذ زمان رسل المسلمين ينتشرون فى عواصم الجاهلية الثانية يهتفون الله إبتعثنا لنخرج العباد من عبادة المادة والبطن إلى عبادة الله وحده ومن ضيق عالم التنافس والأثرة وجشع المادة إلى سعة عالم القناعة والإيثار والزهد ونعيم الروح وطمأنينة القلب ، ومن جور النظم السياسية والاجتماعية إلى عدل الإسلام .
* انحراف المسلمين عن المثل الكامل :
لقد انحرفت حياة المسلمين – أيها السادة – ومدنيتهم عن مركزها ومثلها الكامل ولم تزل الشقة تطول بينهما والخرق يتسع حتى أصبحت حياة مدنية لا تشبه أصلها إلا ببعض شعائر الإسلام الظاهرة فى بلاد المسلمين ، وصعب على المسلم اليوم أن يتمثل تلك الحياة الماضية فسافروا معى أيها السادة على صفحات التاريخ فى المسافة الزمنية وارجعوا إلى عهد الرسالة المحمدية على صاحبها السلام والتحية وقفوا بنا فى مدينة الرسول e ساعة نشاهد حياتها وتصورها لأبناء هذا العصر لعلهم يدركون ما فاتهم .
هذه هى المستعمرة الإسلامية الأولى وهى مدينة بمعانى الكلمة ليست بزاوية من زوايا الشيوخ أو مدرسة من مدارس العلم أو مسجد فحسب ولكنها مدينة جامعة قد تمثلت فيها الحياة الإنسانية بجميع معانيها ونواحيها ، ففيها الأسواق وفيها المزارع وفيها البساتين وفيها الأسر والبيوت وفيها التاجر وفيها الفلاح وفيها الملاك وفيها من يأكل بعرق جبينه وكد يمينه .
* ماذا كان يفعل الصحابة إذا أسفر النهار ؟
وهاهو ذا قد أسفر النهار والناس راجعون من المسجد النبوى فى سكينة ووقار ولكن فى خفة ونشاط ، وهنا دكان يفتح فى السوق ، وهنالك سكة تمشى فى الحقل وهذا بستان من نخيل يسقى وذلك أجير يشتغل فى حائط على أجرة يأخذها فى المساء قد اندفعوا إلى أشغالهم بما سمعوا من فضيلة كسب الحلال وعول العيال ولبَّوا مرضاة الله بالمال ، قفوا منهم بجنب وارقبوهم عن كثب ترونهم خفاف الأيدى فى العمل ذلل اللسان بذكر الله U ، عامرى القلوب بالحسبة ، وطلب الأجر يحتسبون فى أشغالهم مالا يحتسب المصلى اليوم فى صلاته مقبلين بقلوبهم إلى الله وبقالبهم إلى شغلهم .
* وماذا إذا أذن المؤذن ؟
وها هو ذا قد أذن المؤذن فإذا بهم ينفضون أيديهم مما كانوا فيه كأن لم يكن لهم به عهد وكأنما نشطوا من عقال وخف إلى المسجد ] رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ[ (1) .
فإذا قد قضوا صلاتهم انتشروا فى الأرض يبتغون من فضل الله ويذكرون الله وقد مالت الشمس إلى الغروب ، فرجعوا إلى بيوتهم وقابلوا أهلهم وجلسوا إليهم يتحدثون معهم ويلاطفونهم ويؤنسونهم لما سمعوا بالأمس من فضائله وثوابه ، وناموا بعد صلاة العشاء وإذا بهم قائمون أمام ربهم فى الأسحار لهم دوى كدوى النحل وفى صدورهم أزيز كأزيز المرجل ، وينصرفون بعد صلاة الصبح إلى أشغالهم فى نشاط الجندى وقوته كأن لم يتعبوا فى النهار ولم يسهروا فى الليل .
أليست المدينة إذاً يا سادتى مسجداً واسعاً فهل رأيتم فيها غير عبادة ودين ؟ أو ليسوا عاكفين فى هذا المسجد الواسع طول النهار وطول الليل ؟ وهل دار الفلك على زاوية أعمر من هذه الزاوية – إن كان لابد من هذا المصطلح – وأكثر منها منقطعين إلى الله .. ؟!!
* مجالس الذكر و العلم :
وانظروا إلى مجالس الذكر والعلم فى المسجد وقد ضمت صنوفاً وأنواعاً من الناس فهذا هو الفلاح الذى رأيناه فى النهار على حافة حقله ، وهذا هو الأجير الذى رأيناه ينزع الدلاء ويسقى النخيل فى بستان يهودى ، هذا هو التاجر الذى رأيناه فى سوق المدينة يبيع ، وهذا هو الصانع الذى وجدناه مشتغلاً بصناعته وليسوا الآن إلا طلبة علم ، وقد هجروا راحتهم – وهم فى حاجة إليها بعد شغل النهار – وتركوا أهلهم وهم فى حنين إليهم ، لأنهم سمعوا أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العالم رضا بما يصنع (1) ، ولأنهم سمعوا أن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة (1) ولأنهم سمعوا " ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في ملأ عنده (2) وتراهم ساكتين كأن علي رؤوسهم الطير خاشعين كأن الوحي ينزل ] حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ[ (3) يتسابق العلم والخشوع فلا يدرى أيهما أسبق وتبتدر المعاني الى القلوب والكلمات إلى الأذان فلا يدرى أيها أسرع .
ومن تفقدونه فى هذا المسجد ممن عرفتموه فى النهار فلأنه قد اتفق مع جاره على التناوب فيحضر يوما ويغيب يوما وهذا دور جاره ولكنه على اتصال بما يدور فى هذا المسجد من حدث وخبر وحكم وآيه بواسطة جاره .
* حال القراء في الليل والنهار :
وهؤلاء هم القراء وقد انقطعوا إلى العلم فإذا جنهم الليل انطلقوا الى معلم لهم بالمدينة فيدرسون الليل حتى يصبحوا فإذا أصبحوا فمن كانت له قوة استعذب من الماء وأصاب من الحطب ومن كانت عنده سعة اجتمعوا فاشتروا الشاة وأصلحوها فيصبح ذلك معلقا بحجر رسول الله e (1).
* المعرفة بالحلال والحرام :
وما من أحد فى المدينة إلا ويعرف الحلال والحرام وما يتعلق بحياته وحرفته وصناعته وشغله من الأحكام ويحفظ من القرآن ما يقوم به فى صلواته ، ثم هو مستمر فى طلب العلم يزداد كل يوم فقها فى الأحكام ورسوخا فى الدين وحرصاً على العمل وشوقاً إلى الآخرة ورغبة فى الثواب وهذا هو العلم الذى يمتازون به وعلمهم بالفضائل أكثر من علمهم بالمسائل ، وبأصول الدين أكثر من علمهم بفروعه وبمحكماته أكثر منه بمتشابهاته ، " أبر الناس قلوباً وأعمقهم علماً وأقلهم تكلفا " (2) .
* التبليغ :
وإذا تعلم أحد منهم شيئا من الدين أسرع إلى إخوانه يعلمهم لأنه سمع " ألا فليبلغ الشاهد الغائب .. فرب مبلغ أوعى من سامع .. (1) وسمعوا نبيهم يقول " إنما بعثت معلما " (2) وسمعوه يقول " لا حسد إلا فى اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطته على هلكته فى الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها " (3) وسمعوه يقول " إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت يصلون على معلم الناس الخير " (4) .
وهكذا انقسم المسلمون فى المدينة بين طالب ومعلم فإما طالب وإما معلم بل كل واحد منهم طالب ومعلم فى وقت واحد يأخذ من مكان ويدفع إلى مكان .
* الحب .. التضحية .. الإيثار :
أفليست المدينة إذاً مدرسة واسعة عامرة بالطلبة والمعلمين وهل عرف التاريخ مدرسة أوسع وأعمر من هذه المدرسة النبوية التى يتعلم فيها التاجر والفلاح والأجير والصانع والمحترف والمشغول والشاب الناهض والشيخ الفانى ، يتعلمون فيها بجميع مشاعرهم ، فالأذن تسمع والعين تبصر والقلب يشعر ويتأثر والعقل يفكر والجوارح تعمل ، يشاهدون المعانى فى صورها وأمثالها ، ولا يقرؤونها بلفظها فقط ، فإذا عرفوا الإيثار على النفس مثلاً عرفوه فى ضيافة أبى طلحة لضيوف رسول الله e وقد بات هو وأطفاله جياعاً ، وفى قصة الجرحى الذى آثروا إخوانهم على أنفسهم فى الماء فماتوا عطاشاً ، وإذا عرفوا حب رسول الله e عرفوه فى قصة خبيب t لما رفعوه على الخشبة نادوه يناشدونه أتحب أن محمداً مكانك ؟ قال لا والله العظيم ما أحب أن يفدينى بشوكة يشاكها فى قدمه فضحكوا منه (1) فعرفوا من معانى الإيثار والحب مالا يعرفه أكبر لغوى وأديب وعالم علوم النفس .
* وضع كل شيئ في محله :
عرفوا أحكام الاجتماع فى الاجتماع وأحكام الاختلاط فى الاختلاط وأحكام التجارة فى التجارة وأحكام المعاشرة فى المعاشرة ، فقدروا أن يحافظوا على دينهم ونياتهم وخشوعهم وذكرهم فى المجامع والمجالس وفى صخب الأسواق وفتنة البيوت وفى مجامع الشياطين ومقاعدهم ، فإذا خاضوا فى لجة الحياة واندفع بهم التيار لم يغلبوا على أمرهم ، شأن الذى يتعلم السباحة فى بحر متلاطم ونهر فياض فكانوا فى المسجد إذا خرجوا من المسجد ، وفى الصلاة إذا انصرفوا من الصلاة ، بررة القلوب ، صادقى الوعد ، سديدى القول فى المساجد والأسواق معاً ، وفى المعتكف والحانوت معاً ، وفى الحضر والسفر معاً ، ومع الصديق والعدو معاً .
* ماذا لو نادي منادي الجهاد :
حتى إذا نادى منادى الجهاد ] انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ (1) وهتف هاتف الجنة ] وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[ (1) دارت حماليق وجوههم ورقصت قلوبهم فى صدورهم تحولت المدينة إلى ثكنة واسعة فما هى بالتى رأيتموها وأصبح أهلها جنوداً متطوعة فماهم بالذين عرفتموهم ، أقفل التاجر دكانه ، وترك الفلاح سكنه ، ورمى الصانع آلاته وترك الأجير رشاء دلوه وخرجوا فى سبيل الله لا يلوون على شئ كأنهم كانوا من ذلك على ميعاد وفى ديارهم وأهلهم على مسامحة ورخصة .
* يسيحون في الأرض :
وترونهم يتجولون فى البلاد ويسيحون فى الأرض ويتغربون فى دين الله كأنهم خلقوا على ظهور الخيل وولدوا على متون الإبل يعدون غدوة أو روحة فى سبيل الله U أفضل من الدنيا وما فيها فيصلون النهار بالليل والشتاء بالصيف حتى يحتاج إمامهم إلى تحديد اغترابهم بأربعة أشهر (1) وهم أينما رحلوا ونزلوا مدارس سيارة ومساجد متنقلة وهكذا نشروا الدين من أقصى الأرض إلى أقصاها ومن شرقها إلى غربها .
هذه مدينة رسول الله e على ساكنها ألف ألف سلام فى القرن الهجرى الأول ، وهكذا كان يجب أن يكون العالم الإسلامى كله – إذا كان عالماً إسلامياً – فكما أن الرسول e إمام المسلمين بأجمعهم والأسوة العامة لجميع المسلمين فى كل زمان ومكان كذلك مدينته إمام المدن الإسلامية والأسوة العامة فى كل زمان فإن النبى e قد انتهج منهجاً للحياة وهذه الحياة قد تمثلت فى مدينته فى عهده ويجب أن تتمثل فى جميع البلدان الإسلامية فى كل زمان .
* كيف السبيل إلى عودة هذه الحياة :
ولكن كيف السبيل إلى ذلك وقد انحرفت حياة المسلمين عن مركزها وكأنها رحى لا تزال تدور ولكن ليس حول قطبها ، فتسمع جعجعة ولا ترى طحناً ، ولا يستقيم سيرها ولا ينتج عملها إلا إذا عادت إلى قطبها ، وذلك القطب هو كلمة الشهادة التى يدين بها كل مسلم فينبغى أن تتوغل أصولها وعروقها فى أعماق القلب والذهن وفى أحشاء الحياة وتتمدد فروعها حتى تظل الحياة كلها فلا تخرج ناحية من نواحيها من سماوتها ، وذلك بتجديد العهد بها والتفكر فى معانيها ومقتضياتها والتشبع بروحها وتحقيق مطالبها وأحكامها فى الحياة .
* الكلمة وتغيير منهاج الحياة :
والكلمة تقتضى بالطبع تغييراً جوهرياً فى مبدأ الحياة وفى منهاج الحياة ، فأما فى مبدأ الحياة فهو معنى قوله تعالى ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ( (1) وأما التغيير فى منهاج الحياة فهو نقلها من حياة المادة إلى حياة الإيمان والاحتساب أو بلفظ آخر نقلها من الحياة البشرية العامة إلى الحياة النبوية الخاصة .
* وما الذي يساعد علي التغيير ؟
- الصلاة :
والذى يساعد فى هذا التغيير ويمهد له السبيل هو الصلاة التى هى الصورة المكبرة للكلمة والصورة المصغرة للحياة الإسلامية ، حياة الخضوع والانقياد لله I فهى تفصيل الكلمة وإيجاز الحياة ، وكأنها جسر منصوب بين الاعتقاد والحياة بين القلب والجسم ، لا يصل بغيرها الإنسان من العقيدة إلى العمل .
- العلم :
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق