الاثنين، 13 مايو 2013


الخروج في سبيل الله : 
     أقول نعم لا يمكن التغيير فى حياتهم إلا إذا أخرجناهم من هذه اللجة لوقت قليل وخلصناهم من سلطان الأشغال وسيطرة المحيط وتمكنت فيهم التعاليم الدينية ، ثم لا بأس أن يرجعوا إلى لجة الحياة ويعودوا إلى أشغالهم فإنهم يؤمن عليهم الغرق . 
  - مثلا عمليلا لعودة الحياة بعد ذهابها : 
     وأنا أضرب لكم أيها السادة لذلك مثلاً عملياً ، رقعة ذات مساحة واسعة فى جنوب دهلى تقطنها أربعة ملايين من المسلمين وقد أسلموا فى زمن قديم ولكن كان إسلامهم سطحياً فلم يتأثروا بالإسلام كثيراً ولم تنقطع صلتهم بحياتهم الجاهلية الأولى وبقيت فيهم أو تسربت فيهم من جيرانهم الكفار شعائر الجاهلية ، أسماء غير إسلامية ، أعمال وثنية ، أخلاق همجية ، وعادات وتقاليد هندكية ، يطوف كثير منهم حول الصنم ويقربون له القرابين ويقدسون روث البقر ويخشون آلهة القبائل ويحتفلون بأعياد المشركين ، وقد نسى كثير منهم كلمة الإسلام وطال عهدهم بالصلاة حتى نسوا شكلها  فإذا رأوا أحداً يصلى كادوا يكونون عليه لبدا ويرمونه بالجنون أو الخبل ، والمساجد فى أرضهم نادرة جداً ، وأما العلم الدينى فقد كان فى هذه القطعة كالكبريت   الأحمر . 
     وقد أصبحوا ببعدهم عن الدين وتعاليمه والانحطاط فى الخلق والإمعان فى الجهالة والأمية مثلاً فى الأدب الهندى لسوء الأخلاق ورمزاً للصوصية والإغارة وقد أتعبوا حكومة دهلى فى عهد دولة المماليك حتى ألجئوها إلى غزوهم فى بلادهم وكبح جماحهم وقطعت لذلك بعوثاً ، وأخيراً أرسلت  جيشاً كثيفاً أوغل فى بلادهم وخضد شوكتهم فاستراح أهل دهلى من غارتهم إلا أنهم لم يتركوا اللصوصية وقتل النفوس وسرقة السائمة .  
     بقيت هذه الرقعة الواسعة من أرض الهند وهى من العاصمة الإسلامية والمركز الثقافى على طرف التمام وبقيت هذه الأمة الموهوبة النجيبة القوية مهجورة قروناً طوالاً    لا ترغب حكومة فى تعليمها وتثقيفها ولا يعتنى مصلح دينى بتقويم عوجهم حتى كان العقد الثانى من القرن العشرين المسيحى فاشرأب الارتداد فى الأمم التى انتقلت من الوثنية   إلا الإسلام قبل قرون وخشى أهل النظر على أهل ميوات الارتداد أيضاً . 
*  الشيخ ألياس وفكرة في الإصلاح :
     هنالك قيض الله I للإسلام رجالاً من عبادة المخلصين والعلماء العاملين وهو مولانا محمد إلياس الكاندهلوى الدهلوى (1) ( 1303هـ – 1363هـ ) فطاف فى هذه القطعة من أقصيها إلى أقصيها وأوغل فى أوديتها وسهولها وجبالها وتحمل فى ذلك مشاق السفر والجوع والسهر وتعرض للخطر إيماناً واحتساباً وجهاداً فى سبيل الدين وشاهد ما عليه الناس من جهالة وغفلة عن الدين فلم ير بداً من نشر الدين فى هذه الأمة الأمية وتأسيس المدارس والمكاتب لذلك . 
*  تأسيس المدارس والكتاتيب :
     حث الشيخ أهل البلاد على تأسيس المدارس الدينية وكانت له معهم أواصر دينية قديمة لأن كثيراً منهم كانوا قد بايعوا (1) أباه الشيخ محمد إسماعيل ( 1315 هـ ) وكثير منهم قد قرءوا على أخيه الشيخ محمد ( 1336هـ ) وكثير منهم بايعوه ، وألح عليهم فى ذلك فلم ير فيهم رغبة وإقبالاً عليه ورأى منهم إحجاماً وفراراً ،ولم يزل يفتل فى غاربهم حتى تمكن من تأسيس عدة مكاتب بعد جهد طويل وسؤال ملح ، وتولى نفقاتها وتكاليفها . 
     تأسست المكاتب وجرت مجريها الطبيعى ولكن تأسف الشيخ جداً لما رأى أن  أهل ميوات لا يتعاونون على ذلك ، وحتى الناس لا يسمحون لأولادهم بالتعلم فيها ويعدون ذلك ضياعاً للعمر ، لأنهم لا يعرفون قيمة العلم والدين         ولا يعدونهما حاجة من حاجاتهم ، فأصبحت المدارس الدينية فى بلادهم كالقنصلية الأجنبية فى بلاد لا دخل لها فى حياة البلاد ولا رغبة للأمة فى شئونها وإنما تلجأ إليها فى بعض الأحوال . 
     ورأى أن هذه المدارس كجزيرة فى بحر الظلمات يحيط بها الماء من أربعة جوانب ، فالذين يتعلمون فيها           لا يخرجون من سلطان البيئة ونفوذ المجتمع وإذا خرجوا منها ودخلوا فى معترك الحياة وهى ثائرة على الدين أضاعوا علمهم وضاعت فيهم تلك الجهود التى صرفت فى تعليمهم وتربيتهم الدينية وضاعت فيهم تلك الأموال التى أنفقت عليهم طول المدة . 
     فعرف بعد هذا الاختبار أن الجهود التعليمية لا تثمر    ولا تنتج مادام المحيط ثائراً عليها مزاحماً لها وأن المدارس والمكاتب والإصلاح لا يؤثر إذا لم تكن للأمة رغبة عامة والتماس للدين وشعور بنقصها الدينى وأن المتخرجين منها لا يؤثرون فى الحياة ولا يقدرون أن يحافظوا على دينهم وخلقهم ماداموا فى الأمة وفى أسرهم ومجتمعهم كالأجانب والغرباء . 
     ثم رأى أن الذين يتلقون العلم فى المدارس هم عدد قليل جداً يعـدون على الأصابع وأن هذا العدد القليل لا يقتنع به فى إصلاح أمة . 
*  الفرق بين المعلمين والمرسلين :
     وأن هذه المدارس إنما تنقل العلم إلى أفراد – والأمة على حالها – ولكن تحتاج إلى مشروع ينقل الأمة فضلاً عن الأفراد إلى الدين والعلم ، وذلك هو الفرق بين المعلمين والمرسلين ، فإن المعلمين إنما ينقلون العلم إلى الأفراد والأنبياء ينقلون الأمم إلى غايات العلم ولبابه ، وأن المشاريع التعليمية تقسم العلم بين الأمة قسمة ضيزى ، فتجتمع كميات كبيرة من العلم عند أفراد ويبقى سائر الناس كالهمج الرعاء فلو قسم هذا العلم على  الأمة لوسعهم ، وإنها كالربا يصبح به أفراد من الناس أصحاب ثروات كبيرة وسائر الناس لا يجدون كفافاً . 
     ثم رأى أن الذين قد خرجوا من سن الدراسة والتعليم وتقدم بهم العمر لا ينتفعون بهذه المدارس ولا يفسح وقتهم للتعلم فيها ، فلابد إذاً من دعوة عامة إلى تعليم الدين بطريقة وجيزة سهلة طبيعية لا تشق عليهم ولا تطول وتشمل جميع طبقات الأمة . 
     ولكن كيف السبيل إلى ذلك وقد استولت الحياة الدنيوية وتكاليفها على ابن القرن العشرين أخذت بمجامع القلوب وأسرت الروح وغلت الأيدى وصفدت الأقدام فأصبح الإنسان فى القرية والمدينة رهين بطنه ، أسير شغله ، جليس بيته أو حانوته أو وظيفته وماتت فى الناس العاطفة الدينية ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها . 
*  فراسة إيمانية :
     اهتدى الشيخ بفراسته الإيمانية ونظره الثاقب وبمجاهدة فى سبيل الدين لقول الله U ] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [ (1) وبدراسته العميقة النادرة لأصول الدين إلى مركز العلة فى جسم هذه الحياة وهو الاستغناء فى أمر الدين والإخلاد إلى الحياة فضرب على الوتر الحساس ودعا الناس فى ميوات (1) أولاً وفى المدن الهندية آخراً إلى تفريغ أوقاتهم أربعين يوماً أو أربعة أشهر مثلاً ، للدين وانقطاع إلى تعلمه لمدة قصيرة فكانت دعوة غريبة طارئه ولكن الشيخ لم يفشل ولم ييئس واستمر فى دعوته ودعائه حتى لبى الناس دعوته وخرجت عصائب إلى مراكز العلم والدين وعليها أمير منهم يرأسهم ومعلم يعلمهم مبادئ الدين وأحكامه والقرآن وقصص الصحابة وأخبار جهادهم وجهدهم فى سبيل الدين وحبهم للرسول e ، واستهانتهم بهذه الحياة وحنينهم للآخرة وتوقهم إلى الجنة وإيثارهم على النفس وزهدهم فى الدنيا ومسارعتهم فى سبيل الخير وخشيتهم لله تعالى إلى غير ذلك مما يحرك الساكن من قلوبهم وينير الكامن من عواطفهم ويذرف الجامد من عيونهم ويشعل فيهم الحياة الإسلامية . 
     ثم يخرجون فى أوقات مناسبة فيطوفون فى القرى ويمرون على البيوت ويحادثون الناس فى أمكنتهم ويغشونهم فى أنديتهم فيجلسون إليهم ويحرضونهم على الإقبال على الدين ويفهمونهم الغرض الذى خلقوا لأجله والغاية التى بعثوا لها ، وأنهم لم يخلقوا عبثاً ولم يتركوا سدى ويرهبونهم من النار ويشوقونهم إلى الجنة ويرغبونهم فى تعلم الدين والمبادرة إلى ذلك ويخوفونهم من التسويف والمماطلة ويدعونهم إلى مركزهم الذى قد أقاموا فيه ليكلموهم فى تفصيل ذلك كله فى لطف ورفق ولين واحترام لإيمان المخاطب وتقدير لإسلامه فى غير ازدراء ولا فظاظة وهم يغضون الطرف عن الحرام ويلهجون بالذكر أثناء   الكلام . 
     وهكذا يقضون أوقاتهم فى طلب العلم والدين وفى العبادة والجهد للدين وفى الاختلاط بجماهير الأمة والاتصال بها فى سبيل الدين تحت نظام محكم متقن لا يتسرب فيه الفساد ولا تتطرق إليه الفتن ، لأن حول العاملين والمتطوعين حصناً حصيناً من الذكر والدعاء وحارساً من إكرام المسلمين والتذلل لهم كافة والتجنب عن كل مالا يعنيهم فى الدين والدنيا . 
*  النتيجة والثمرة : 
وكان لذلك نفع ملموس  قد تجلى فى ناحيتين : 
الأولى : أن المتطوعين الذين قضوا قسطاً صالحاً من   أوقاتهم تغيروا فى أنفسهم ، عرفوا مبادئ الدين وأحكامه الأولية واستيقظت فيهم العاطفة الدينية وهبت عليهم نفحة من نفحات الحياة الإسلامية . 
     وقد رأينا طلائع هذه الحياة وآيات النهضة الدينية فى ميوات فرأينا تغيراً مشاهداً فى المعتقد والأعمال والأخلاق ، رأينا مدارس تشيد ومساجد تبنى وتعمر وجنايات تقل وتندر ، وفتناً تضمحل ، وبدعاً تموت ، وتقاليد جاهلية ترتفع ، ودعوات دينية وتعليمية تثمر وتزدهر ، ونفوساً جامحة تلين وقلوباً جانية ترق وعيوناً تذرف ، وهمماً تعلوا فى سبيل الدين وإجلالاً لأهل العلم والدين وخضوعاً للحق مما لو جاهد الإنسان الواحد منها بالاستقلال لاستغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً . 
     ورأينا كذلك فى أوساط المتصلين بهذه الدعوة والحركة والمتطوعين لها من الناشئة الجديدة والطبقة المثقفة والموظفين والتجار آثار الانقلاب الدينى ، رأينا وحشة عن الدين تزول وتتبدل بالأنس ، وتنافراً بين طبقتى المتدينين والمتمدينين أو المتنورين – كما يسمون أنفسهم – يرتفع وإجلالاً لشعائر الإسلام وتعظيمها يحل محل الاستهزاء والسخرية منها ، ورغبة فى تعلم الدين ومعرفة أحكامه تشتد وتلح إلى غير ذلك مما يمتازون به عن أقرانهم وأترابهم وزملائهم . 
الثانية : أن الجماهير من المسلمين لم يزالوا يبتعدون عن الدين بالتدريج حتى أصبحوا فى واد والدين فى وادٍ وتشاغل عنهم العلماء وأصحاب الإصلاح والتعليم حتى انفصلوا عنهم فى كل شئ وأصبح هؤلاء أمة وأولئك أمة ، تختلف الأولى عن الثانية فى العادات واللباس ومظاهر الحياة واللغات واللهجات ، وأصبح هؤلاء العامة بجهلهم فريسة لكل صائد وأتباع كل ناعق تنهشهم سباع المادية وتغير عليهم لصوص الدين ، وأخيراً فشت فيهم دعوة الشيوعية ووجدت أنصارها فى عامة المسلمين مرتعاً خصباً ، ولكنا نتوقع أن هذه الدعوة الدينية والحركة الصحيحة والاتصال بالجماهير والطبقات المنحطة فى العلم والدين والمعاش مباشرة وبذل النصح لها يصد هذا التيار إن شاء الله I ويكون سداً منيعاً فى وجه الحركات اللادينية . 
     عرفنا كذلك أنه لا يزدهر مشروع إصلاحى أو تكميلى  إلا بالدعوة الدينية الأولى عن طريق التحريض والدعاية    لا على طريق النظام والسياسة فى البداية ، فالحياة المدنية فى الإسلام مبنية دائماً على أساس الحياة المكية ، وكل مؤسسة لا تقوم على أساس الدعوة والتحريض الدينى     ولا تسبقها جهود فى تمهيد الأرض ، إلى انهيار فى العاجل   أو الآجل ، اقتنعنا بهذه المبادئ وجربناها فى بلاد بعيدة عن مركز الإسلام ، فى أرض وعرة قد أهملت منذ زمن طويل فرأينا الغراس يثمر والجهد القليل يأتى بحاصل كبير . 
*  وختاما :
     وها نحن وقد تلقيناها منهم فليتلقوها اليوم من إخوانهم ويقولوا " بضاعتنا أولاء نتحف إخواننا المسلمين فى البلاد الإسلامية عامة وفى الأقطار العربية خاصة بهذه الدعوة الدينية ومبادئها ردت إلينا " (1) ويجربوها فى تربتهم الذكية الندية وفى أممهم النجيبة الذكية بجهودهم المتواصلة القوية ويشاهدوا سنة الله الأبدية فى نصر الأمة المحمدية وخوارق الدعوة الإسلامية (2) . 
B

الفهـــــــرس

الصفحــــة
رقمها
المقدمة 
3
الدعوة من البداية إلى النهاية 
5
حال العالم قبل ظهور الأمة المحمدية 
5
ظهور الأمة المحمدية 
6
هل بعثت الأمة للزراعة ؟
6
وهل بعثت الأمة للتجارة ؟
7
وهل بعثت الأمة للصناعة ؟
7

ليست هناك تعليقات: