السبت، 14 يونيو 2025

حرف الباء2

 الهامات: الرءوس. يقول: إن سيوفه طلعت من مقولة "جمعة لا تخف" تحمل رسالة تحفيزية تذكّر بضرورة مواجهة التحديات الجديدة بثقة وشجاعة وعدم الرضا بالقليل، مع التركيز على العمل الفعّال بدلاً من الاستسلام للخوف أو الأحلام غير العملية.

هذه الأفكار تعكس دعوة لتطوير الذات، والنمو الشخصي، والخروج من منطقة الراحة، والقبول بالنكسات كجزء من رحلة النجاح.

تأمل روحي وفكري

في الإسلام، تعبير "لا تخف" مأخوذ من تعاليم القرآن التي تظهر في مواضع عدة، منها تأكيد الله تعالى لموسى عليه السلام في قوله: "قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى" [سورة طه: 68]، حيث يدعو الله موسى للثقة بالنصر على أعدائه، مبيناً أن مع الحق قوة وغلبة.

أسباب قوة رسالة "لا تخف"

  • تحث على التوكل على الله والثقة به في مواجهة الصعاب.

  • تشجع على العمل والإقدام بدل التردد والخوف.

  • تعني أن النجاح يتطلب شجاعة ومثابرة، والرفض للرضى بالقليل أو الخمول.

دلالة جمعة لا تخف

  • استغلال أيام الجمعة، التي هي يوم مميز في الأسبوع لدى المسلمين، للنمو الروحي والتحفيز الذاتي.

  • تقديم هذه النصائح كتذكير أسبوعي للالتزام بشجاعة التحدي، وصنع الفرص، وعدم الاستسلام للخوف أو اليأس.

باختصار، جمعة لا تخف هي دعوة لتحويل الخوف إلى شجاعة فعلية وممارسة، والتركيز على النمو والتقدم باستمرار، مع تذكير ديني وروحي يشجع على الثقة بالنفس وبالله. كالشمس في بريقها ثم غربت في رءوس المضروبين، فصارت رءوسهم مغارب لها، وهذا من قول أبي نواس في الخمر:

طَالِعَاتٌ مَعَ السُّقَاةِ عَلَيْنَا
 
فَإِذَا مَا غَرَبْنَ يَغْرُبْنَ فِينَا
(٢٥٣شتى: متفرقة، وقفتها: تبعتها. يقول: إن مصيبتنا به ليست واحدة، وإنما هي لعظمها كأنها مصائب شتى، ولم يكفنا ذلك حتى تبعتها مصائب أخرى، وهي اتهام المفسدين إيانا بأنا شامتون بموته.
(٢٥٤قوله: غير ذي رحم له؛ يروى: غير ذي رحم لنا، يقول: إن هناك أجنبيًّا لا يمت إليه أو إلينا بآصرة قرابة يظهر الأسف على فقد ابن أبينا — يريد ابن عمنا — فأبعدنا عنه باتهمامه إيانا بالشماتة ونحن أقرباؤه، فموته إنما يحزننا نحن لا غيرنا.
(٢٥٥عرض أنا شامتون؛ أي عرض في مرثيته بأنا شامتون، والتعريض الإشارة إلى الغرض من غير تصريح، والعارضان: جانبا اللحية، والقواضب السيوف القاطعة، وقال الواحدي: قوله والإ فزارت يجوز أن يكون من كلام المعرض حكى عنه ما قال كأنه قال: هم شامتون بموته، وإلا فزارتني السيوف: أي قتلت بها إن لم يكن الأمر على ما أقول فيكون هذا تأكيدًا لما ذكر من شماتتهم، ويجوز أن يكون من كلام الذين ينفون الشماتة عن أنفسهم. يقول: إن لم يكن الأمر على ما ذكر فرمى الله عارضيه بالسيوف، فيكون هذا تأكيدًا لنفي الشماتة، وأن الأمر ليس على ما ذكر.
(٢٥٦أن بين بني أب؛ أي إنه بين بني أب، فاسم إن هو ضمير الشأن، والنجل: الولد، ودبيب العقارب: كناية عن النميمة. يقول: أليس عجيبًا أن تدب عقارب يهودي بين بني أب أي إخوة فيوقع بينهم العداوة؟ يريد هذا الذي كان يمشي بينهم بالنميمة، وجعله ابن رجل يهودي مبالغة في أجنبيته عنهم، ويريد بوصفه بيهودي أنه خبيث دساس.
(٢٥٧يقول: برغم أنه كان يغلب جميع الناس لم يقدر على الامتناع من الموت، فدل ذلك على أنه ليس لله غالب، وهذا من قول أبي تمام:
كُفِّي فَقَتْلُ مُحَمَّدٍ لِيَ شَاهِد
 
أَنَّ الْعَزِيزَ مَعَ الْقَضَاءِ ذَلِيلُ
هذا، وقال العكبري — تعليقًا على قوله: أن ليس: أن هي المخففة من الثقيلة، ولا تدخل إلا على الاسم، ولا تدخل على الفعل حتى يحجز بينه وبينها حاجز؛ لدخولها على الأسماء، كقوله تعالى: ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ تقديره: أنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، وكقوله تعالى: عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ تقديره: أنه سيكون؛ فلا بد من حرف يحجز بينها وبين الفعل، وقد دخلت ها هنا على ليس — وهي فعل بلا حاجز — وذلك لضعف ليس عن الأفعال، ولأنها غير متصرفة كتصرف الأفعال، ومثله قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ.
(٢٥٨أنى؛ أي كيف، وأنى بمعنى كيف كثير. قال تعالى: أَنَّىٰ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وكرب: من أفعال المقاربة، تقول: كرب أن يفعل كذا؛ أي كاد وقارب، يقول: إنه بكى في أطلال الأحبة بدمع قضى ما وجب لهم وشفاه مما ألم به من وجد، ثم رجع عن ذلك، وقال: وكيف أظن أن بكائي قضى ما يجب وشفى ما في نفسي من لوعة وهو لم يقضِ الحق ولم يشف الوجد ولا قارب أن يقضي، يريد أنه قاصر عن ذلك، وفي هذا البيت من البديع ما يسمونه الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض والإبطال، وهو كثير في كلام الشعراء، ومنه قول زهير:
قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يُعْفِهَا الْقِدَمُ
 
بَلَى وَغَيَّرَهَا الْأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ
(٢٥٩عاج بالمكان: وقف به، يقول: عطفنا على هذا الربع لنزوره فأذهب ما كان بقي من عقولنا بعد الفراق بتجديده ذكر الأحبة فضلًا عن أن يرد علينا ما كان قد ذهب منها لدى الفراق.
(٢٦٠يقول: سقيت هذا الربع دموعًا سوائل ظنها مطرًا من جفون ظنها سحبًا.
(٢٦١دار الملم لها طيف؛ أي هذا الربع هو دار التي ألم طيف لها، فدار: خبر مبتدأ محذوف، والألف واللام — في الملم — بمعنى التي، وطيف: فاعل ملم ولها حال مقدمة من قوله طيف. يقول: إن هذا الربع هو دار المرأة التي زارني لها طيف، أوعدني ليلًا؛ أي هددني بالهجر فما صدقت عيني؛ لأنها رأت خيالًا لأن ذلك كان رؤيا، ولا كذب الطيف في تهديده؛ لأنه هجرني بعد ذلك، إذ لم أنم بعدها.
(٢٦٢ناءيته: باعدته: ويروى أنأيته؛ أي أبعدته، ودنا: قرب، وجمشته: غازلته وداعبته، ونبا: تجافى وتباعد، وأنبيته أنا: دفعته عن نفسي، وفي المثل: الصِّدْقُ يُنْبِي عَنْكَ لَا الْوَعِيدُ؛ أي إن الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد، ونبا السيف: إذا لم يعمل في الضريبة، ونبا بصري عن الشيء ونبا به منزله: إذا لم يوافقه، وأبى: امتنع، يقول: كلما أردت من هذا الطيف شيئًا قابلني بضده، وهذا قريب من قوله:
صَدَّتْ وَعَلَّمَتِ الصُّدُودَ خَيَالَهَا
(٢٦٣الهيام: أن يذهب الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه، والطنب: حبل الخباء والسرادق ونحوهما، قال ابن جني، يقول: ملكت قلبي بلا كلفة ومشقة، فكانت كمن سكن بيتًا لم يتعب في إقامته ولا مد أطنابه، وقال الواحدي: وأحسن من هذا أن يُقال: اتخذت بيتًا من قلبي فنزلته، والقلب بيت بلا أطناب ولا أوتاد.
(٢٦٤يقول: هي مظلومة القد — إذا شبه بالغصن، لأنه أحسن منه — وهي مظلومة الريق — إذا شبه بالعسل لأنه أحلى منه، والضرب — وهو العسل الأبيض الغليظ — يذكَّر ويؤنث؛ قال أبو ذؤيب الهذلي في تأنيثه:
وَمَا ضَرَبٌ بَيْضَاءُ يَأْوِي مَلِيكُهَا
 
إِلَى طُنُفٍ أَعْيَا بِرَاقٍ وَنَازِلِ
بِأَطْيَبَ مِنْ فِيهَا إِذَا جِئْتَ طَارِقًا
 
وَأَشْهَى إِذَا نَامَتْ كِلَابُ الْأَسَافِلِ
(يأوي مليكها؛ أي يعسوبها، ويعسوب النحل: أميره، والطنف: حيد يندر من الجبل قد أعيا بمن يرقى ومن ينزل، وقوله كلاب الأسافل: يريد أسافل الحي؛ لأن مواشيهم لا تبيت معهم؛ فرعاتها وأصحابها لا ينامون إلا آخر من ينام لاشتغالهم بحلبها.)
(٢٦٥الحلة: الثوب، ومطلوبًا: منصوب على الحال أو التمييز، يقول؛ إنها لأنسها ولين حديثها تطمع العاشق في نفسها، فإذا حاول ذلك محاول عز عليه مطلبه لعفتها وصيانتها، ومثل هذا قول بعضهم:
يُحْسَبْنَ مِنْ لِينِ الْحَدِيثِ دَوَانِيَا
 
وَبِهِنَّ عَنْ رَفَثِ الرِّجَالِ نِفَارُ
(٢٦٦يعيي: يعجز، والضمير في قابضه للشعاع، وشعاعها: فاعل يعيي، والطرف: النظر، ومقتربًا: حال، شبهها بشعاع الشمس في قربه من الطرف وبعده عن القبض عليه، وهذا كما يقول ابن عيينة:
وَقُلْتُ لِأَصْحَابِي هِيَ الشَّمْسُ ضَوْءُهَا
 
قَرِيبٌ وَلَكِنْ فِي تَنَاوُلِهَا بُعْدُ
ويقول الطرماح:
هِيَ الشَّمْسُ لَمَّا أَنْ تَغَيَّبَ لَيْلُهَا
 
وَغَارَتْ فَمَا تَبْدُو لِعَيْنٍ نُجُومُهَا
تَرَاهَا عُيُونُ النَّاظِرِينَ إِذَا بَدَتْ
 
قَرِيبًا وَلَا يَسْطِيعُهَا مَنْ يَرُومُهَا
وأجمل من هذا قول العباس بن الأحنف:
هِيَ الشَّمْسُ مَسْكَنُهَا فِي السَّمَاءِ
 
فَعَزِّ الْفُؤَادَ عَزَاءً جَمِيلا
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ إِلَيْهَا الصُّعُودَ
 
وَلَنْ تَسْتَطِيعَ إِلَيكَ النُّزُولَا
(٢٦٧الترب: المساوي لغيره في العمر، ويقال اللدة، والشادن: من الظباء الذي قوي وترعرع واستغنى عن أمه؛ يريد به المحبوبة، واستضحك: بمعنى ضحك، والمغيث: اسم الممدوح، وكالمغيث؛ أي أَنا كالمغيث، والليث: الأسد، والشرى: موضع تكثر في الأسود، وعجل: قبيلة الممدوح. يقول: مرت بنا بين تربيها فقلت لها: أنت من الظباء وترباك من العرب، فكيف اتفقت هذه المجانسة بينك وبينهما؟ فضحكت ثم قالت: لا تعجب من ذلك فإني كالمغيث: تراه من الأسود، وهو مع ذلك من عجل، وكذلك أنا: تراني من الظباء وأنا عربية، وفي هذين البيتين من البديع ما يسمونه حسن التخلص، وهو الخروج مما ابتدئ به الكلام من نسيب أو غيره إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما.
(٢٦٨الترب: المساوي لغيره في العمر، ويقال اللدة، والشادن: من الظباء الذي قوي وترعرع واستغنى عن أمه؛ يريد به المحبوبة، واستضحك: بمعنى ضحك، والمغيث: اسم الممدوح، وكالمغيث؛ أي أَنا كالمغيث، والليث: الأسد، والشرى: موضع تكثر في الأسود، وعجل: قبيلة الممدوح. يقول: مرت بنا بين تربيها فقلت لها: أنت من الظباء وترباك من العرب، فكيف اتفقت هذه المجانسة بينك وبينهما؟ فضحكت ثم قالت: لا تعجب من ذلك فإني كالمغيث: تراه من الأسود، وهو مع ذلك من عجل، وكذلك أنا: تراني من الظباء وأنا عربية، وفي هذين البيتين من البديع ما يسمونه حسن التخلص، وهو الخروج مما ابتدئ به الكلام من نسيب أو غيره إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما.
(٢٦٩أي جارت هذه المحبوبة بذكر رجل هذه أوصافه، وقيل جاءت هذه القبيلة التي هي عجل بمن هذه أوصافه.
(٢٧٠يقول: إن خاطره لتوقده لو كان في زمن (الزمن ذو الزمانة؛ أي العاهة، وهو هنا في معنى المقعد) لمشى، أو في جاهل لصحا من جهله وصار عالمًا، أو في أخرس لقدر على النطق.
(٢٧١يقول في الشطر الأول: إذا ظهر للناس حجبت هيبته عيونهم عن النظر إليه لشدة هيبته، وهذا كقول الفرزدق:
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ
 
فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
وقوله أيضًا:
وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهُمْ
 
خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَبْصَارِ
(خضع: جمع خضوع أي خاضع، ونواكس جمع شاذ ويروى منكسي: نواكسي أي مطأطئي رءوسهم منكسي أبصارهم إجلالًا له وهيبة وللنحويين في نواكس كلام طريف فانظره.) ويقول أبو نواس:
إِنَّ الْعُيُونَ حُجِبْنَ عَنْكَ لِهَيْبَةٍ
 
فَإِذَا بَدَوْتَ لَهُنَّ نُكِّسَ نَاظِرُ
ويقول في الشطر الثاني: إذا احتجب وراء الستور ظهر نور وجهه من ورائها فلم تستطع حجبه، وهذا كقول القائل:
أَصْبَحْتَ تَأْمُرُ بِالْحِجَابِ لِخَلْوَةٍ
 
هَيْهَاتَ لَسْتَ عَلَى الْحِجَابِ بِقَادِرِ
وقال ابن جني: هذا يحتمل تأويلين؛ أحدهما: أن حجابه قريب لما فيه من التواضع فليس يقصر أحد أراده دونه وإن كان محتجبًا، والآخر: أنه وإن احتجب فهو كلا محتجب؛ لشدة يقظته ومراعاته الأمور، وعبارة الخطيب: الذي أراده المتنبي أن حسنه وبهاءه لا يحجبه شيء، والبيت الذي يليه يشهد له.
(٢٧٢الحالك: الشديد السواد، والمخشلب: خرز أبيض يشبه الدار، والعرب تسميه الخضض؛ أما المخشلب فهي كلمة نبطية. يقول: إن نور وجهه يغلب نور الشمس حتى ترى إذا قابلها كأنها سوداء، وأن لفظه أحسن من الدر حتى يرى الدر إذا نطق كأنه خرز.
(٢٧٣هبته: مضاؤه، والغرار: الحد، والتأمور: دم القلب. قال أوس بن حجر:
أُنْبِئْتُ أَنَّ بَنِي سُحَيْمٍ أَوْلَجُوا
 
أَبْيَاتَهُمْ تَأْمُورَ نَفْسَ الْمُنْذِرِ
«أي مهجة نفسه وكانوا قتلوه.»
يقول المتنبي: إن مضاء عزمه يصير السيف رطب الحد من دم الأعداء.
(٢٧٤الرهج: الغبار، وأرهج الغبار: أثاره، يقول: إذا لقي عدوه في غبار الحرب قصر عمره حتى يكون أقصر من عمر المال عنده إذا أخذ في العطاء.
وقال ابن القطاع: يريد أن عمر العدو حين يلاقيه قريب، كما أن عمر المال عنده قريب حين يدخل إليه فلا يكاد حتى يهبه، وليس يريد أن عمر العدو أقل من عمر المال، وإنما يريد المساواة والمقارنة وأنهما لا يبقيان، وقوله إذ وهبا؛ أي إذا أراد أن يهب.
(٢٧٥تبلوه: أراد أن تبلوه، فحذف أن وبقي عملها. قال العكبري: تبلوه: انتصب بإضمار أن، وهو على مذهبنا، فإن أهل الكوفة نصبوا بها مقدرة، وأبى ذلك البصريون، وحجتنا ما قرأ به عبد الله بن مسعود: «وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله» فأعمل أن مقدرة، وحجتنا أيضًا قول عامر بن الطفيل:
وَنَهْنَهت نَفْسِي بَعْدَمَا كِدْتُ أَفْعَلَهُ
فنصب أفعله بأن المقدرة، والنشب: المال، يقول: احذره ولا تحم حوله بالعداء، فإن أردت اختباره فكن عدوه أو مالًا في يده حتى ترى ما يحل بك من الإبادة والإفناء، وفي معنى هذا البيت قول مسلم بن الوليد:
تَظَلَّمَ الْمَالُ وَالْأَعْدَاءُ مِنْ يَدِهِ
 
لَا زَالَ لِلْمَالِ وَالْأَعْدَاءِ ظَلَّامَا
وما أحلى قول أبي نواس:
لَيْتَ مَنْ كَانَ عَدُوِّي
 
كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ مَالَا
(٢٧٦حالت: تغيرت، وجعل المذاقة مما يقطر اتساعًا، يقول: هو عذب الأخلاق فإذا غضب تغيرت فآضت مرة فلو أمكن أن يمزج الماء بها لم يطق أحد شربه؛ يعني أن فيه حلاوة لأوليائه ومرارة لأعدائه، وفي الماء يروى في البحر قال العكبري: وأراد بالبحر ها هنا العذب، قال الله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يريد الملح والعذب، وأهل مصر والصعيد كلهم يسمون النيل: البحر، هذا وفي البيت تصريع، وهو مما يحسن استعماله للخروج من قصة إلى قصة كما أسلفنا.
(٢٧٧الغبطة والحسد: كلاهما بمعنى التمني، بيد أن الغبطة أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها ولا أن تتحول عنه، والحسد أن تتمنى مثل نعمته على أن تتحول عنه؛ فالغبطة أخف، تقول منه غبطته بما نال أغبطه غبطًا وغبطة فاغتبط هو كقولك منعته فامتنع، وحبسته فاحتبس، قال حريث بن جبلة العذري:
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ
 
إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الْأَعَاصِيرُ
وغبطت الكبش أغبطه غبطًا: إذا جسست أليته لتنظر أبه طرق أم لا (الطرق: الشحم أو السمن) وغبط الشاة والناقة: جسهما لينظر سمنهما من هزالهما. قال رجل من بني عمرو بن عامر يهجو قومًا من سليم:
إِذَا تَجَلَّيْتَ غَلَّاقًا لِتَعْرِفَهَا
 
لَاحَتْ مِنَ اللُّؤْمِ فِي أَعْنَاقِهَا الْكُتُبُ
إِنِّي وَأَتْيي ابْنَ غَلَّاقٍ لِيَقْرِيَنِي
 
كَغَابِطِ الْكَلْبِ يَبْغِي الطِّرْقَ فِي الذَّنَبِ
(غلاق: كشداد رجل أبو حي.)
وقد سئل سيدنا رسول الله : هل يضر الغبط؟ قال: «لا، إلا كما يضر العضاة الخبط» أراد صلوات الله عليه أن الغبط لا يضر ضرر الحسد، وأن ما يلحق الغابط من الضرر الراجع إلى نقصان الثواب دون الإحباط بقدر ما يلحق العضاه من خبط ورقها الذي هو دون قطعها واستئصالها، ولأنه يعود بعد الخبط ورقها، فهو وإن كان فيه طرف من الحسد فهو دونه في الإثم، وأصل الحسد: القشر، وأصل الغبط الجس، والشجر إذا قشر عنها لحاؤها يبست، وإذا خبط ورقها استخلف دون يبس الأصل، وضمير منها: للأرض، وضمير به: لحيث حل الذي يقع مفعولًا به لتغبط، وضمير منها الثانية: للخيل، وأيها: مفعول تحسد، يقول: إن الأرض يغبط بعضها البعض الذي يحل فيه، والخيل يحسد بعضها البعض الذي يركبه. قال ابن جني: وجعل الغبطة للأرض؛ لأنها وإن كثرت بقاعها فهي كالمكان الواحد لاتصال بعضها ببعض، والخيل ليست كذلك؛ لأنها متفرقة فاستعمل لها الحسد، والبيت مأخوذ من قول أبي تمام:
مَضَى طَاهِرَ الْأَثْوَابِ لَمْ تَبْقَ بُقْعَة
 
غَدَاةَ ثَوَى إِلَّا اشْتَهَتْ أَنَّها قَبْرُ
(٢٧٨الجحفل: الجيش العظيم، واللجب: المختلط الأصوات، يقول: إنه جواد شجاع لا يستطيع أن يرد سائله، ولكنه يرد وحده الجيش العظيم.
(٢٧٩قوله من قبل يصطحبا: أراد من قبل أن يصطحبا، فحذف أن وأبقى عملها، يقول: إذا التقى الديناران لديه تفرقا قبل اصطحابهما، فهما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين، وقال الواحدي: يجوز نصب الدينار وصاحبه، ويكون معناه كلما لقي الممدوح الدينار مصاحبًا له، وما أجمل ما يقول النضر بن جؤية بن النضر في هذا المعنى:
قَالَتْ طَرِيفَةُ مَا تُبْقِي دَرَاهِمُنَا
 
وَمَا بِنَا سَرَفٌ فِيهَا وَلَا خُرُقُ
إِنَّا إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا دَرَاهِمُنَا
 
ظَلَّتْ إِلَى طُرُقِ الْمَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ
لا يألفُ الدِّرْهَمُ المَضْرُوبُ صُرَّتَنَا
 
لكِن يمُرُّ عَليها وَهْوَ مُنطلِقُ
حَتَّى يَصِيرَ إِلَى نَذْلٍ يُخَلِّدُهُ
 
يَكَادُ مِنْ صَرِّهِ إِيَّاهُ يَنْمَزِقُ
(٢٨٠المجتدي: السائل، ونعيب الغراب: صياحه، والبين: الفراق. يقول: هذا المال كأن غراب البين يرقبه، فكلما جاء مجتد صاح فيه فتفرق شمله، وعبارة الواحدي: إن ماله يرقبه غراب البين، فإذا جاء السائل فرق الممدوح ماله، فكأن غراب البين نعب في مال الممدوح بالتفريق، وما ذكر من رقبة الغراب ونعيبه بيان ومثال لتفريقه المال عند مجيء السائل، والأصل في هذا أن العرب تقول: غراب البين إذا صاح في ديار قوم تفرقوا، أما ما قاله ابن جني من أن المعنى: كما أن غراب البين لا يفتر عن الصياح، كذلك هذا لا يفتر عن العطاء: فهو بعيد، ومن الذي قال إن الغراب لا يفتر عن الصياح؟ هذا، وقالوا: إنما حسنت الإضافة في غراب البين؛ لأنه اسم مشترك يقع على أشياء، فمنها غراب الفأس؛ أي حدها، قال الشماخ يصف رجلًا قطع نبعة:
فَأَنْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غُرَابُهَا
 
عَدُوٌّ لِأَوْسَاطِ الْعِضَاهِ مُشَارِزُ
أي أمال على النبعة فأسًا ذات حد، غرابها؛ أي حدها، مشارز؛ أي معاد أو سيئ الخلق، والمشارزة هي المشارسة. ومنها الغراب: قذال الرأس، يقال شاب غرابه؛ أي شعر قذاله، والغرابان من الفرس والبعير حرفا الوركين الأيسر والأيمن اللذان فوق الذنب حيث التقى رأسا الورك اليمنى واليسرى، قال الراجز:
يَا عَجَبًا لِلْعَجَبِ الْعُجَابِ
 
خَمْسَةُ غِرْبَانٍ عَلَى غُرَابِ
(٢٨١السمر: المسامرة، وهو حديث الليل، وأصله أنهم كانوا يسمرون في ظل القمر، وأصل السمر: ظل القمر، والسمرة مأخوذة من هذا، وسمر يسمر سمرًا وسمورًا لم ينم: وهو سامر، وهم السمار، والسامر أيضًا السمار، وهم القوم يسمرون. قال الأزهري: وقد جاءت حروف على لفظ فاعل وهي جمع، فمنها الحامل والسامر والباقر والحاضر، والحامل للإبل ويكون فيها الذكور والإناث، والسامر: الجماعة من الحي يسمرون ليلًا، والحاضر: الحي النزول على الماء، والباقر: البقر فيها الفحول والإناث، قالوا: والسامر أيضًا: الموضع الذي يجتمعون للسمر فيه، وأنشدوا:
وَسَامِرٌ طَالَ فِيهِ اللَّهْوُ وَالسَّمَرُ
ابنا سمير الليل والنهار؛ لأنه يسمر فيهما. يقول: هو بحر له عجائب في باب الفضل والشجاعة لا تحاكيها عجائب البحار ولا ما يتحدث به السمار، إذ هي بالقياس إليها كالشيء المألوف؛ لغرابة ما يبدو منه ويتحدث عنه، وعبارة ابني جني: تشاغل الناس بالتعجب من فضائل هذا الرجل عن عجائب الأسمار والبحار.
(٢٨٢محاولها؛ أي طالبها، وأصله طلب الشيء بالحيلة، يقول: لا يقنع الممدوح أن ينال المنزلة العظيمة التي يشكو طالبها قصوره عنها وتعبه في تحصيلها، إذ هو دائمًا يطمح إلى ما يعجز عنه الطالبون.
(٢٨٣اللواء: الراية، وبنو عجل: قبيلة الممدوح، يقول: حركوا اللواء باسمه — أي جعلوه سيدهم وقائدهم — فإذا حركوا رايتهم حركوها باسمه، فصار سيدهم، وصاروا هم به سادة الناس، فهو رأس بني عجل فصاروا بذلك سادة الناس، وصار الناس أذنابًا لهم وتبعًا.
(٢٨٤نصب التاركين على المدح بإضمار أعني أو أمدح. يقول: إنهم — لبعد همتهم — يتركون ما هان من الأمور وسهل وجوده، ويرومون الصعب الشاق منها، وفي هذا يقول الطهوي:
وَلَا يَرْعَوْنَ أَكْنَافَ الْهُوَيْنَى
 
إِذَا حَلُّوا وَلَا رَوْضَ الْهُدُونِ
(الهدون: الدعة والسكون.)
(٢٨٥البيض: السيوف، والهام: الرءوس، والكماة: الأبطال المدججون في السلاح، والعذب: جمع عذبة وهي الريش المعلق في طرف الرمح. يقول: إن سيوفهم تحول دون خيلهم أن يصل إليها أحد بطعن أو ضرب؛ إما لمنازلتهم دونها، أو لحذقهم بالضرب، فتكون لها بمنزلة البراقع، والمعنى أنهم يحمونها بالسيوف لا بالبراقع والتجافيف، وعبارة أبي الفضل العروضي: أن سيوفهم مكان البراقع لخيلهم فلا يصل العدو إلى فرسانهم، وقوله متخذي هام الكماة: معناه أنهم يأخذون رءوس الأبطال بأطراف رماحهم، فتكون مع شعورها بمنزلة العذب التي تعلق بالرماح، وقال جرير في هذا المعنى:
كَأَنَّ رُءُوسَ الْقَوْمِ فَوْقَ رِمَاحِنَا
 
غَدَاةَ الْوَغَى تِيجَانُ كِسْرَى وَقَيْصَرَا
وقال مسلم بن الوليد:
يَكْسُو السُّيُوفَ نُفُوسَ النَّاكِثِينَ بِهِ
 
وَيَجْعَلُ الْهَامَ تِيجَانَ الْقَنَا الذُّبُلِ
وقال أبو تمام:
أَبْدَلْتَ أَرْؤُسَهُمْ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ مِنْ
 
قَنَا الظُّهُورِ قَنَا الْخطِّيِّ مُدَّعِمَا
مِنْ كُلِّ ذِي لِمَّةٍ غَطَّتْ ضَفَائِرُهَا
 
صَدْرَ الْقَنَاةِ فَقَدْ كَادَتْ تُرَى عَلَمَا
(٢٨٦الخرقاء: الحمقاء، مؤنث الأخرق، يقول: لو لاقتهم المنية يوم الوغى للبطت بالأرض خوفًا وفزعًا لا يتجه لها رأي في السلامة فهي تتهم الإقدام وتتهم الهرب خشية الإدراك؛ أي تقدر أنها إن هربت أدركت. قال أبو تمام:
مِنْ كُلِّ أَرْوَعَ تَرْتَاعُ الْمنُونُ لَهُ
 
إِذَا تَجَرَّدَ لَا نِكْسٌ وَلَا حَذِرُ
وقال أيضًا:
شُوسٌ إِذَا خَفَقَتْ عُقَابُ لِوَائِهِمُ
 
ظَلَّتْ قُلُوبُ الْمَوْتِ مِنْهَا تَخْفِقُ
(٢٨٧الشهب: الكواكب. يقول: إن لهم مراتب عالية علت في السماء فصارت أعلى من الكواكب؛ لأن الفكر الذي يتبعها جاز الكواكب ولم يلحقها.
(٢٨٨نزفت: استنفدت، وآل: عاد ورجع، ونضب: جف. قال الواحدي: جعل اقتضاء المحامد أن تنظم بالشعر نزفًا، وجعل الشعر — لكونه مقتضى — منزوفًا. يقول: لم تمتلئ هذه المحامد من شعري؛ أي لم تبلغ الغاية التي تستحقها من شعري، ولا شعري فَنِيَ، فأنا أبدًا أمدحهم، وبيان ذلك أن لهم محامد استخرجت شعري؛ لينظم تلك المحامد كلها فلم تنحصر بالشعر، ولم يَفْنَ الشعر، يريد كثرة محامدهم وكثرة مدائحه لهم يعني أنه سيعود إلى استيفاء مديحهم، وجعل الشعر كالماء ينزف، واستغراق محامدهم في الشعر كملئها بالماء، ولما جعل الشعر كالماء جعل فناءه نضوبًا.
(٢٨٩يقول: لك مكارم سبقت بها العالمين فليس في مكنة أحد إدراكها ومن يستطيع إدراك أمر فائت؟
(٢٩٠اختلفت: ترددت وجاءت مرة بعد أخرى، والمراد بالركبان: القصاد الذين صمدوا إلى الممدوح فآبوا بالهبات والعطايا، ولا ألوي: لا أعرج، يقول: لما أقمت بإنطاكية جاءتني ركبان العفاة — الذين قصدوا إليك وأنا في حلب — فما عتمت أن سرت نحوك لا أعرج في سيري ولا أقف، حتى وصلت إليك محمولًا على راحلتين من فقري الذي يحفزني إلى بابك طلبًا لجدواك وأدبي الذي تسببت به إليك.
(٢٩١اختلفت: ترددت وجاءت مرة بعد أخرى، والمراد بالركبان: القصاد الذين صمدوا إلى الممدوح فآبوا بالهبات والعطايا، ولا ألوي: لا أعرج، يقول: لما أقمت بإنطاكية جاءتني ركبان العفاة — الذين قصدوا إليك وأنا في حلب — فما عتمت أن سرت نحوك لا أعرج في سيري ولا أقف، حتى وصلت إليك محمولًا على راحلتين من فقري الذي يحفزني إلى بابك طلبًا لجدواك وأدبي الذي تسببت به إليك.
(٢٩٢شرقت: غصصت، وضمير ذاقها: للزمن، وقوله ما عاش؛ أي ما بقي وامتد، والانتحاب: رفع الصوت وتردده بالبكاء. يقول: أذاقني الدهر من الفقر والغربة شيئًا لو ذاقه هو لبكى وانتحب مدة حياته، ولم يستطع عليه صبرًا؛ لأنه الغاية في الشدة، فكيف أصبر أنا عليه؟
(٢٩٣عمرت: عشت، والسمهري: الرمح، والمشرفي: السيف، كنى بهذه القرابات عن ملازمة هذه المذكورات. يقول: إن عشت وتنفس بي العمر لازمت الحرب حتى أدرك طلبتي. هذا، ويقال عمِر الرجل بكسر الميم يعمر عمرًا وعمارة وعمرًا، وعمَر — بالفتح — يعمر، ويعمر؛ أي عاش وبقي زمانًا طويلًا، ومنه قولهم: أطال الله عمرك وعمرك، وهما وإن كانا مصدرين بمعنى، إلا أنه استعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح.
(٢٩٤الأشعث: المغبر من طول السفر ولقاء الحروب، والقح: الخالص؛ أي العربي الخالص النسب، وقح: نعت لأشعث، والمرح: النشاط، يقول: للازمت الحرب بكل رجل قد طال تمرسه بالحروب والأسفار حتى تراه يرمي بنفسه في التهلكة كأن القتل حاجة له يبتغيها ويتهالك عليها، وإذا هو سمع صهيل الخيل استخفه ذلك حتى يكاد يطرحه عن السرج لما يجد من النشاط والطرب، وروى ابن جني بدل صهيل الخيل صهيل الجرد — جمع أجرد وهو الفرس القصير الشعر — وذلك مما يحمد في الخيل، ويروى بدل مرحا بالغزو: مرحا بالعز، ومن جيد ما قيل في معنى البيت الأول قول أبي تمام:
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّمَا
 
بَيْنَ الْحُتُوفِ وَبَيْنَهُمْ أَرْحَامُ
وقول البحتري:
مُتَسَرِّعِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّهَا
 
وَفْرٌ بِأَرْضِ عَدُوِّهِمْ يُتَنَهَّبُ
(٢٩٥الأشعث: المغبر من طول السفر ولقاء الحروب، والقح: الخالص؛ أي العربي الخالص النسب، وقح: نعت لأشعث، والمرح: النشاط، يقول: للازمت الحرب بكل رجل قد طال تمرسه بالحروب والأسفار حتى تراه يرمي بنفسه في التهلكة كأن القتل حاجة له يبتغيها ويتهالك عليها، وإذا هو سمع صهيل الخيل استخفه ذلك حتى يكاد يطرحه عن السرج لما يجد من النشاط والطرب، وروى ابن جني بدل صهيل الخيل صهيل الجرد — جمع أجرد وهو الفرس القصير الشعر — وذلك مما يحمد في الخيل، ويروى بدل مرحا بالغزو: مرحا بالعز، ومن جيد ما قيل في معنى البيت الأول قول أبي تمام:
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّمَا
 
بَيْنَ الْحُتُوفِ وَبَيْنَهُمْ أَرْحَامُ
وقول البحتري:
مُتَسَرِّعِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّهَا
 
وَفْرٌ بِأَرْضِ عَدُوِّهِمْ يُتَنَهَّبُ
(٢٩٦يقول: الموت أعذر لي من أن أعيش ذليلًا، فإذا قتلت في طلب المعالي قام الموت بعذري، والصبر أجمل؛ لأن الجزع عادة اللئام، والبر أوسع لي من بلد يضيق بي رزقه فأنا أسافر وأضطرب في مناكب الأرض، والدنيا لمن غلب وزاحم لا لمن لزم عقر داره، قال العكبري: وهذه الأبيات التي أتى بها في آخر القصيدة خارجة عما هو فيه؛ لأنه يمدح رجلًا، ويذكر أنه قد قصده، وأن الزمان قد أذاقه بلوى وشدة، وقد جاء يستجدي منه ثم يذكر الشجاعة منه وطلب الملوك وأخذ البلاد … وأين أبو الطيب والملوك؟ رحم الله امرأ عرف قدره … ولقد أحسن ابن دريد فيما قال:
مَنْ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ انْتِهَاءِ قَدْرِهِ
 
تَقَاصَرَتْ عَنْهُ فَسِيحَاتُ الْخُطَى
وقد غاب عن العكبري — رحمه الله — خلائق المتنبي، وأنه لا يمدح الناس إلا ليمدح نفسه، وينوه بما تنطوي عليه من المطامع والآمال الكبار والنزاع إلى الطعن والنزال.
(٢٩٧قيل: إنه لم يجزه على هذه القصيدة إلا دينارًا واحدًا، ولذلك سميت بالدينارية.
(٢٩٨الباء للتفدية، والشموس: إمَّا مرفوعة على أنها مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: الشموس مفديات بأبي، وإما منصوبة على أنها مفعول فعل محذوف والتقدير: أفدي الشموس بأبي، والجانحات: المائلات، والجلابب: جمع جلباب، وهو ما يلتحف به من الثياب، وأصله جلابيب: قال تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ فحذف الياء ضرورة، كنى بالشموس عن النساء، وبغروبهن عن بعدهن، وعبارة الواحدي: لما سماهن شموسًا كنى عن بعدهن بالغروب؛ لأن بعد الشموس عن العيون لا يكون إلا بالغروب، وقد بيَّن في آخر البيت أن الشموس: النِّساء الحسان؛ إذ قال: اللابسات … إلخ. وقال ابن جني: غبن عنك في الخدور.
(٢٩٩المنهبات: اسم فاعل، ووجناتهن: مفعول أول، وقلوبنا: مفعول ثانٍ، وعقولنا: عطف عليه، والناهبات: صفة لوجناتهن، ولك أن ترفع وجناتهن على أنها فاعل المنهبات؛ أي اللاتي أنهبت وجناتهن قلوبنا، فيكون قد اقتصر على مفعول واحد، ويقال: أنهبته الشيء إذا جعلته نهبًا له. يقول: اللواتي جعلن قلوبنا وعقولنا نهبًا لوجناتهن يسبينها بحسنهن، ثم وصف الوجنات بأنها تنهب الناهب؛ أي الرجل الشجاع المغوار الذي ينهب الناس بعد أن أبلى البلاء الحسن في الحرب، وهذا من قول أبي تمام:
سَلَبْنَ غِطَاءَ الْحُسْنِ عَنْ حُرِّ أَوْجُهٍ
 
تَظَلُّ لِلُبِّ السَّالِبِيهَا سَوَالِبَا
(٣٠٠الناعمات؛ أي اللينات المفاصل، والقاتلات؛ أي بهجرهن، والمحييات: بوصلهن، والمبديات؛ أي المظهرات من الدلال عجائب، والدلال: جرأة المرأة على الرجل في تكسر وتغنج.
(٣٠١الترائب: موضع القلادة من الصدر. يقول: حاولن أن يقلن لي نفديك بأنفسنا فوضعن أيديهن على صدورهن إشارة إلى ذلك خوف الرقيب، وقال ابن جني: أشرن إلي من بعيد ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الرقباء والوشاة، جعل ابن جني هذه الإشارة تحية وتسليمًا، وقال الواحدي: طلبن أن يقلن نفديك بأنفسنا وخفن الرقيب، فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة؛ أي أنفسنا تفديك، وهذا أولى من قول ابن جني لذكر التفدية في البيت، ولم يقل حاولن تسليمي؛ لأن الإشارة بالسلام لا تكون بوضع اليد على الصدر، وقال ابن فورجه: وضع اليد على الصدر لا يكون إشارة بالسلام، وإنما أراد وضع أيديهن فوق ترائبهن تسكينا للقلوب من الوجيب. قال الواحدي: وليس كما قال — ابن فورجه — وصدر البيت ينقض ما قاله. هذا، وبديع قول بعضهم ينظر إلى هذا المعنى:
أَضْحَى يُجَانِبُنِي مُجَانَبَة الْعِدَا
 
وَيَبِيتُ وَهْوَ إِلَى الصَّبَاحِ نَدِيمُ
وَيَمُرُّ بِي خَوْفَ الْوُشَاةِ وَلَفْظِهِ
 
شَتْمٌ وَحَشْوُ لِحَاظِهِ تَسْلِيمُ
(٣٠٢أراد بالبرد: أسنانهن التي تشبه البرد في نقائها، وقوله خشيت أذيبه: أي أَنْ أذيبه، يقول: إني كنت أخاف على ثغورهن أن تذوب من حرارة أنفاسي، فلما رحلن ذبت أنا من شوقي إليهن، ومن هذا الباب قول الصنوبري:
وَضَاحِكٍ عَنْ بَرَدٍ مُشْرِقٍ
 
أَبَاحَنِيهِ دُونَ جُلَّاسِي
فَكُلَّمَا قَبَّلْتُهُ خِفْتُ أَنْ
 
يَذُوبَ مِنْ نِيرَانِ أَنْفَاسِي
وقول بعضهم:
وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنْ يُذِيبَ مَفَاصِلِي
 
مَنْ لَوْ جَرَى نَفَسِي عَلَيْهِ لَذَابَا
(٣٠٣المتحملون: المرتحلون، والمراد بالغزالة إما الشمس وإما الحيوان المعروف، والكاعب: التي بدا ثديها للنهود. يقول: قبلت غزالة في صورة كاعب من النساء.
(٣٠٤الخطوب: الأمور الثقال، وتخلصًا: مفعول الرجاء، أعمله مع اقترانه بأل وهو ضعيف، أنشد سيبويه:
ضَعِيفُ النِّكَايَةِ أَعْدَاءَهُ
 
يَخَالُ الْفِرَارَ يُرَاخِي الْأَجَلْ
(يهجو رجلًا يقول: هو ضعيف عن أن ينكي أعداءه، وجبان عن أن يثبت لقرنه، ولكنه يلجأ إلى الفرار، ويخاله مؤخرًا لأجله.) وأنشبن: علقن، والمخالب: جمع المخلب — بكسر الميم — وهو للسباع وجوارح الطير بمنزلة الظفر للإنسان، يقول: كيف أرجو التخلص من الخطوب بعد أن نالت مني ونفد فيَّ حكمها؟
(٣٠٥أوحدنني؛ أي الخطوب — أي صيرنني واحدًا. يقول: تركتني الخطوب وحيدًا بعد أن فرقت بيني وبين الأحبة، وجعلت صاحبي بعدهم ما أجده من الحزن المتناهي الذي هو واحد الأحزان، وهو حزن الفراق.
(٣٠٦الغرض: الهدف يرمى بالسهام، ومضاربًا: تمييز جمع مضرب — بفتح الراء وكسرها — حدُّ السيف. يقول: إن الخطوب نصبته هدفًا للمحن.
(٣٠٧أظمتني من الظمأ: العطش، فأصلها أظمأتني، فأبدل الهمزة ألفًا ثم حذفها. يقول: كان حظي من الدنيا الحرمان. فلما التمست عطاءها أفرغت علي المصائب.
(٣٠٨قوله من خوص الركاب؛ أي بدلًا من خوص الركاب، والخوص جمع الخوصاء، وهي الناقة الغائرة العينين من الجهد والإعياء، والركاب: الإبل، والدارش: ضرب من السختيان، وهو جلد أسود. يقول أعطيت عوضًا من الإبل خفًّا أسود، فأنا راكب ماشٍ.
(٣٠٩حال: خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذه حال، ويروى حالًا — بالنصب — على إضمار عاملٍ محذوف؛ أي أشكو أو أذم. يقول: إن حالي هذه لو علم بها ابن منصور تلافاها بإحسانه وحال دون إساءة الزمان، فيكون إحسانه بمنزلة توبة الزمان إلي، ومثل هذا لأبي تمام قال:
كَثُرَتْ خَطَايَا الدَّهْرِ فِيَّ وَقَدْ يُرَى
 
بِنَدَاكَ وَهْوَ إِلَيَّ مِنْهَا تَائِبُ
وقال أيضًا:
عَضْبٌ إِذَا هَزَّهُ فِي وَجْهِ نَائِبَةٍ
 
جَاءَتْ إِلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ تَعْتَذِرُ
(٣١٠السنان: نصل الرمح، والبنان في الأصل: أطراف الأصابع، والمراد بها هنا الكف، ويتباريان: يفعل كل منهما ما يعارض به صاحبه، ودمًا: تمييز أو منصوب على نزع الخافض؛ أي في دم، والعرف: المعروف والمراد به الجود، والساكب: المنسكب. يقول: إن سنان رمحه يقطر دمًا من الأعداء، وكفه تسكب جودًا على الأولياء، وهذا من قول البحتري:
تَلْقَاهُ يَقْطُرُ سَيْفُهُ وَسِنَانُهُ
 
وَبَنَانُ رَاحَتِهِ دَمًا وَنَجِيعَا
(٣١١الخطر: الأمر الخطير؛ أي العظيم. يقول: إنه يستصغر الشيء العظيم لمن يقصده وينتجع إليه لكرمه، ويظن — لكثرة عطائه — أن نهر دجلة — ذلك النهر العظيم — ليس يكفي شاربًا، ومثل هذا قول أبي تمام وزاد الشكر:
فَرَأَيْتَ أَكْثَرَ مَا حَبَوْتَ مِنَ اللُّهَا
 
نَزْرًا وَأَصْغَرَ مَا شَكَرْتُ جَزِيلَا
(٣١٢كرمًا: مفعول مطلق؛ أي كرم كرما، أو مفعول له عامله يظن في البيت قبله، يقول: لو حدثته بما يصنع من الأفعال الجسام لظنك كاذبًا؛ لخروج تلك الأفعال عن طوق المقدرة، قال الواحدي — ناقدًا: وقد أساء في هذا؛ لأنه جعله يستعظم فعله وبضده يمدح، وإنما يحسن أن يستعظم غيره ما فعل كما قال أبو تمام:
تَجَاوَزَ غَايَاتِ الْعُقُولِ رَغَائِبٌ
 
تَكَادُ بِهَا لَوْلَا الْعِيَانُ تُكَذِّبُ
وقال البحتري:
وَحَدِيث مَجْدٍ عَنْكَ أَفْرَطَ حُسْنُهُ
 
حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ مَوْضُوعُ
(٣١٣حذار: اسم فعل بمعنى احذر، ومسالمًا ومحاربًا: حالان. يقول: سل عن شجاعته؛ لتعرفها بالخبر، ولا تحاول أن تعرفها بالمشاهدة والتمرس بها وإلا هلكت؛ أي لا تحاول أن تعرفها بالقتال، فإنك إن قاتلته قتلت، وقد ضرب البيت التالي مثلًا لذلك.
(٣١٤يقول: فإن الموت يعرف بالوصف لا بالتجربة؛ إذ لم نجد مخلوقًا مات ثم رجع فيخبرنا عن حقيقة الموت، وإذن فالموت إن عرف بالمشاهدة أهلك البتة، وكذلك شجاعة الممدوح، وقوله خلقًا؛ أي مخلوقًا، مفعول أول لتلق، وآيبًا: مفعول ثانٍ.
(٣١٥القسطل هنا: غبار الحرب، وهو القسطل، والقسطال والقسطول والقسطلان والقصطل — بالصاد — كله؛ الغبار الساطع، وقال الجوهري: القسطال لغة فيه كأنه ممدود منه مع قلة فعلال في غير المضاعف، وأنشد أبو مالك لأوس بن حجر يرثي رجلًا:
وَلَنِعْمَ رِفْدُ الْقَوْمِ يَنْتَظِرُونَهُ
 
وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ وَالسِّرْبَالِ
وَلَنِعْمَ مَأْوَى الْمُسْتَضِيفِ إِذَا دَعَا
 
وَالْخَيْلُ خَارِجَةٌ مِنَ الْقِسْطَالِ
وقال آخر:
كَأَنَّهُ قِسْطَالُ رِيحٍ ذِي رَهَجْ
الجحفل: الجيش العظيم. يقول: إنه لا ينفك عن هذه الأشياء.
(٣١٦تبيين لأحوال الناس معه. يقول: فلا ترى إلا هاربًا من جيشه، أو طالبًا رفده، أو راغبًا في إحسانه، أو راهبًا من بأسه، أو هالكًا بسيفه، أو نادبًا على قتيل له من الأسرى الذين أسرهم، وقال الواحدي: ويجوز أن تكون هذه أحوال الممدوح؛ أي تلقاه هاربًا من الدنايا، وطالبًا للعلى، وراغبًا في المكارم، وراهبًا من الله تعالى، وهالكًا؛ أي مهلكًا، كما قال العجاج:
وَمَهْمَهٍ هَالِكِ مَنْ تَعَرَّجَا
(تمامه: هائلة أهواله من أدلجا. قال في اللسان: هالك بمعنى مهلك لغة تميم كما يقال: ليل غاض أي مغض، وقال الأصمعي في قوله: هالك من تعرجا؛ أي هالك المتعرجين إن لم يهذبوا في السير؛ أي من تعرض فيه هلك.)
ونادبًا: من يبارزه من الندب، وهذا تعسف من الواحدي كما ترى.
(٣١٧العواسل: الرماح، والقواضب: السيوف، والجنائب: جمع الجنيبة، وهي التي تقاد إلى جنب الفارس. يقول: عمت جنوده السهل والجبل، فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها رماحًا وسيوفًا، وإذا نظرت إلى السهول رأيتها فوارس وجنائب؛ أي غصت بهما.
(٣١٨العواسل: الرماح، والقواضب: السيوف، والجنائب: جمع الجنيبة، وهي التي تقاد إلى جنب الفارس. يقول: عمت جنوده السهل والجبل، فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها رماحًا وسيوفًا، وإذا نظرت إلى السهول رأيتها فوارس وجنائب؛ أي غصت بهما.
(٣١٩وعجاجة بالنصب عطف على ما تقدم؛ أي ورأيت عجاجة، أو بالجر على إضمار رب، والعجاجة: الغبار، وتبسم — بحذف إحدى التاءين — أي تتبسم، والقذال: جماع مؤخر الرأس من الإنسان والفرس فوق فأس القفا، وقال ابن الأعرابي: القذال: ما دون القمحدوة إلى قصاص الشعر، قال الأزهري: القمحدوة ما أشرف على القفا من عظم الرأس، والهامة فوقها، والقذال دونها مما يلي المقذ، ويقال: القذالان ما اكتنف فأس القفا عن يمين وشمال، والزنج — بفتح الزاي وكسرها — جيل من السودان، وهم الزنوج، يقول: إن بريق الأسلحة في سواد الغبار يشبه تبسم الزنج أو شيب القذال، ولمحمود الوراق:
حَتَى تَبَدَّى الصُّبْحُ يَتْلُو الدُّجَى
 
كَالْحَبَشِيِّ افْتَرَّ لِلضَّحِك
ولأبي نواس:
لَمَا تَبَدَّى الصُّبْحُ مِنْ حِجَابِهِ
 
كَطَلْعَةِ الْأَشْمَطِ مِنْ جِلْبَابِهِ
وهذا التشبيه متداول كثير في الشعر.
(٣٢٠شبه بياض الحديد في ظلمة العجاجة بكواكب في ليل. يقول: كأن النهار ألبس بتلك العجاجة ظملة ليل، وكأن الرماح أطلعت من أسنتها كواكب، أو أطلعت هي كواكب في تلك الظلمة، فقوله: أطلعت إما قرأتها بصيغة المعلوم على أنه من فعل الرماح، وإما بصيغة المجهول لمشاكلة قوله كُسي، وهذا المعنى من قول صريع الغواني:
فِي عَسْكَرٍ شَرِقَ الْأَرْضُ الْفَضَاءُ بِهِ
 
كَاللَّيْلِ أَنْجُمُهُ الْقُضْبَانُ وَالْأَسَلُ
وقول بشار:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنَا
 
وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه
(٣٢١عسكرت: تجمعت، وتكتبت: تجمعت كتائب، والكتائب: جمع كتيبة — الفرقة من الجيش — وعسكرًا وكتائب: حالان. يقول: إن المصائب تجمعت مع تلك العجاجة كأنها عسكر تقع بالعدو، وتكاثرت فيها رجال الممدوح حتى صارت كتائب.
(٣٢٢هذا مثل قول ابن الرومي:
كَأَنَّ أَبَاهُ حِينَ سَمَّاهُ صَاعِدًا
 
دَرَى كَيْفَ يَرْقَى فِي الْمَعَالِي وَيَصْعَدُ
وقوله علي: أراد عليًّا، فاضطره الوزن إلى حذف التنوين، وسوغ له ذلك سكونه وسكون اللام في الحاجب: ومثله كثير، وذلك كقراءة من قرأ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ بغير تنوين، حذفه لالتقاء الساكنين.
(٣٢٣النضار: الذهب، ومواهبًا وما بعده: تمييز. يقول: إنه أفنى الذهب بالعطاء، والأعداء بالقتل، والزمان بالتجارب؛ أي إنه حصل له من التجارِب ما يعرف به ما يأتي فيما يستقبل من الزمان، فكأنه أفنى الزمان؛ لأنه لا يحدث عليه شيئًا لا يعرفه.
(٣٢٤ومخيب: عطف على «هذا الذي أفنى» في البيت قبله، وذكر الكف — وإن كان الأفصح تأنيثها — على معنى العضو، أو على إرادة السائل؛ أي لا يرد سائلًا، أو المراد خائبًا صاحبها، وبعد: فإن أكثر ما استعمل العرب الكف مؤنثة على أنها بمعنى اليد، فهم يقولون هذه كف واحدة، وقال بشر بن أبي خازم:
لَهُ كَفَّانِ كَفٌّ كَفُّ ضُرٍّ
 
وَكَفُّ فَوَاضِلٍ خَضِلٌ نَدَاهَا
وقال الأعشى:
يَدَاكَ يَدَا صِدْقٍ فَكَفُّ مُفِيدَةٍ
 
وَأُخْرَى إِذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ
وقالت الخنساء:
فَمَا بَلَغَتْ كَفُّ امْرِئٍ مُتَنَاوِلٍ
 
بِهَا الْمَجْدَ إِلَّا حَيْثُ مَا نِلْتَ أَطْوَلُ
وَمَا بَلَغَ الْمُهْدُونَ نَحْوَك مِدْحَةً
 
وَإِنْ أَطْنَبُوا إِلَّا وَمَا فِيكَ أَفْضَلُ
أما قول الأعشى:
أَرَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَسِيفًا كَأَنَّمَا
 
يَضُمُّ إِلَى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبَا
فإنه أراد العضو، وقيل هو حال من ضمير يضم، أو من هاء كشحيه.
(٣٢٥أبصرت — بتاء المتكلم — يعني المتنبي نفسه، ويروى على الخطاب، وحاضرًا وغائبًا على الروايتين: حال من فاعل أبصرت، ومثل: يجوز فيه الرفع والنصب، فالرفع قال ابن جني: هذا مبتدأ أول، والذي: مبتدأ ثانٍ، ومثل: خبر الذي، والجملة خبر هذا، والعائد على هذا من الجملة التي هي خبر عنه الهاء في منه، والنصب بجعل هذا ابتداء، والذي: خبره، ونصب مثل بأبصرت. يقول: إنه يرى عطاءه حيثما كان حضره أو غاب عنه، ومثله لأبي تمام:
شَهِدْتُ جَسيماتِ الْعُلَا وَهْوَ غَائِبُ
 
وَلَوْ كَانَ أَيْضًا حَاضِرًا كَانَ غَائِبَا
(٣٢٦الثاقب: المضيء. يقول: حيثما كنت ترى عطاءه قد غمر الناس — قريبهم وبعيدهم — كما ترى ضوء القمر حيثما كنت من البلاد، والبيتان التاليان في معنى هذا البيت: يريد أنه عام النفع، ومثل هذا لأبي تمام:
قَرِيبُ النَّدَى نَائِي الْمَحَلِّ كَأَنَّهُ
 
هِلَالٌ قَرِيبُ النُّورِ نَائِي مَنَازِلِهْ
وللبحتري:
كَالْبَدْرِ أَفْرَطَ فِي الْعُلُوِّ وَضَوْءُهُ
 
لِلْعُصْبَةِ السَّارِينَ جِدُّ قَرِيبِ
وله أيضًا:
عَطَاءٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ عَمَّ فَمَغْرِبٌ
 
يَكُونُ سَوَاءً فِي سَنَاهُ وَمَشْرِقُ
وقال العباس بن الأحنف:
نِعْمَةٌ كَالشَّمْسِ لَمَّا طَلَعَتْ
 
ثَبَتَ الْإِشْرَاقُ فِي كُلِّ بَلَد
(٣٢٧أمهجن؛ أي يا مهجن، فالهمزة للنداء، وهجنه: قبحه، قال صاحب اللسان: الهجنة من الكلام ما يعيبك، والهجين: العربي ابن الأمة لأنه معيب، ولهذه المناسبة نقول: إن الهجنة في الناس والخيل إنما تكون من قبل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك؛ كان الولد هجينًا. قال الراجز:
الْعَبْدُ وَالْهَجِينُ وَالْفَلَنْقَسُ
 
ثَلَاثَةٌ فَأَيُّهُمْ تَلَمَّسُ
والأقراف: من قبل الأب، أو الذي أمه عتيقة وأبوه ليس كذلك. روى الرواة أن روح بن زنباع كان قد تزوج هند بنت النعمان بن بشير فقالت — وكانت شاعرة:
وَهَلْ هِنْدُ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ
 
سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَجَلَّلَهَا بَغْلُ
فَإِنْ نُتِجَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فَبِالْحَرَى
 
وَإِنْ يَكُ إِقْرَافٌ فَمِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ
وأزرى به: عابه، قال في اللسان: الإزراء: التهاون بالشيء، يقال أزريت به: إذا قصرت به، وحقرته، وهونته، وزريت عليه، وزرى عليه زريًا، وزراية، ومزرية، ومزراة، وزريانًا: عابه وعاتبه. قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا الزَّارِي عَلَى عُمَرٍ
 
قَدْ قُلْتَ فِيهِ غَيْرَ مَا تَعْلَمْ
وقال الآخر:
وَإِنِّي عَلَى لَيْلَى لَزَارٍ وَإِنَّنِي
 
عَلَى ذَاكَ فِيمَا بَيْنَنَا مُسْتَدِيمُهَا
أي عاتب ساخط غير راضٍ، وزرى عليه عمله: إذا عابه وعنفه، وتروك مبالغة في تارك، وهو مضاف لكل — الذي هو مفعوله الأول — وعاتبًا مفعول ثانٍ، ويروى عائبًا. يقول: إنك هجنت الكرماء لتقصيرهم عن بلوغ كرمك وتركتهم عاتبين عليك؛ لما يظهر من كرمك المزري بهم أو عاتبين بهم أو عاتبين على أنفسهم حيث لم يفعلوا ما فعلت، أو تركتهم عائبين لك حسدًا.
(٣٢٨شادوا: بنوا ورفعوا، وتشييد البناء: إحكامه ورفعه، والبناء المشيَّد — بالتشديد — المطول، أما المشيد فهو المبني بالشيد، والشيد كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط. قال عدي بن زيد:
شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلـْ
 
ـسًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وَكُورُ
هذا ما عليه أكثر أهل اللغة، ومنهم من يجعل المشيد والمشيَّد بمعنى، ومما يتفرع عن هذه المادة قولهم: أشاد بذكره؛ أي نوه به ورفع قدره، وقال أبو عمرو: أشدت بالشيء: عرفته، والمناقب: المفاخر، والمثالب: المخازي والمعايب. يقول: لفضل مناقبك على مناقبهم صارت مناقبهم كالمثالب، وهذا كقول أبي تمام:
مَحَاسِنُ مِنْ مَجْدٍ مَتَى يَقْرِنُوا بِهَا
 
مَحَاسِنَ أَقْوَامٍ تَكُنْ كَالْمَعَايِبِ
(٣٢٩لبيك؛ أي إجابة لك بعد إجابة، ونصبه على المصدر، وغيظ الحاسدين: منادى، والراتب: الثابت المقيم، ونخبر: نشاهد ونعلم. قال الواحدي: أظهر الإجابة إشارة إلى أنه بنداء مناد؛ أي كأن الممدوح يناديه بلسان كرمه للتنويه به، وسماه غيظ الحاسدين إشارة إلى أنه قد بالغ في غيظهم حتى صار يُعرف بذلك. قال الخطيب: وصرع البيت لانتقاله من المدح إلى الإجابة.
(٣٣٠تدبير: مبتدأ محذوف الخبر؛ أي لك تدبير، وروي تدبير وهجوم: منصوبين، على أن تدبير بدل من عجائب — في البيت السابق — وهجوم: عطف عليه، وحنك: جمع حنكة، وهي الخبرة والتجربة، وضده الغر؛ أي الذي لم يجرب الأمور ولا يفكر في العواقب. يقول: إنك تدبر ملكك تدبير مجرب مختبر مفكر في العواقب، وإذا هجمت في الوغى هجمت هجوم الغر؛ أي إنك تفعل كلا في موضعه، فتدبر الملك تدبير مجرب بصير بأعقاب الأمور، وتقدم في الحرب إقدام الغر، وهذا من قول أبي تمام:
وَمُجَرَّبُونَ سَقَاهُمُ مِنْ بَأْسِهِ
 
فَإِذَا لُقُوا فَكَأَنَّهُمْ أَغْمَارُ
وقوله:
كَهْلُ الْأَنَاةِ فَتَى الشِّدَّاتِ إِذَا غَدَا
 
لِلْحَرْبِ كَانَ الْمَاجِدَ الْغِطْرِيفَا
وقال البحتري:
مَلِكٌ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَرِيهَةٌ
 
إِقْدَامُ غِرٍّ وَاعْتِزَامُ مُجَرِّبِ
(٣٣١وعطاء: عطف على تدبير، وعداه: تجاوزه. يقول: إذا لم يأتك طالب أنفقت مالك في البحث عن طالب تعطيه.
(٣٣٢أسطيعه: هو أستطيعه، وبهما جاء التنزيل الحكيم. يقول: إني إنما أثني عليك بقدر ما أستطيع، لا بقدر ما يجب لك وما تستحقه؛ لأنه فوق طاقتي، فاعذرني في ذلك، ثم بين عذره في البيت التالي، وقد قصر أبو الطيب الثناء في قوله ثناي — وهو ممدود — ضرورة. قال العكبري: حكى ابن سعد عن أبي الطيب — وهو علي بن سعد، وليس هو محمد بن سعد صاحب الطبقات؛ لأن ذلك قديم الوفاة. توفي بعد المائتين، وأبو الطيب ولد سنة ثلاث وثلاثمائة — قال: سمعت أبا الطيب يقول: ما قصرت ممدودًا في شعري إلا هذا الموضع: خذ من ثناي، وذلك أنه رأى بخط أبي الفتح — ابن جني:
وَقَدْ فَارَقْتَ دَارَكَ وَاصْطِفَاكَ
بكسر الطاء، هذا، وقد قال أهل اللغة: إن الثناء ما تصف به الإنسان من مدح أو ذم أي إنه يستعمل في الخير والشر، وأنشدوا:
أَثْنِي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي
 
أُثْنِي عَلَيْكِ بِمِثْلِ رِيحِ الْجَوْرَبِ
وخص بعضهم به المدح.
(٣٣٣دهش: تحير، ومثله شده. قال صاحب اللسان: دهش دهشًا، فهو دهش ودهش فهو مدهوش، وكرهها بعضهم، وأدهشه الله وأدهشه الأمر، ودهش الرجل — بالكسر — دهشًا: تحير، ويقال: دهش وشده، واللغة العالية: دهش، على فعل، والملك الحفيظ: هو الموكل بالإنسان يكتب حسناته وسيئاته. يقول: لقد تحيرت أمام أفعالك فلا أقدر أن أحصيها وأثني بها، وأقل من ذلك ما يحير الملك الموكل بك؛ لأنه لم ير مثله من غيرك، ولأنه لكثرته يعجز عن كتابته.
(٣٣٤يقول: هو نفاع ضرار، مثله في ذلك مثل السحاب الذي ينهل بالمطر وتنقض منه الصواعق، ففيه حياة لقوم، وهلاك لآخرين. قال الواحدي: هذه الأبيات مضطربة الوزن، وهي من الرمل، وذلك لأنه جعل العروض فاعلاتن، وهو في الأصل في الدائرة، ولكن لم يستعمل العروض ها هنا إلا محذوفة السبب على وزن فاعلن كقول عبيد:
مِثْلَ سَحْقِ الْبُرْدِ عَفَّ بَعْدَكِ الـْ
 
ـقَطْرُ مَغْنَاهُ وَتَأْوِيبُ الشَّمَالِ
(السحق: الثوب الخلق الذي انسحق وبلي؛ كأنه بعد من الانتفاع به.)
غير أن هذا البيت الأول صحيح الوزن؛ لأنه مصرع، فتبعت عروضه ضربه.
(٣٣٥جعله هذه الأشياء مبالغة؛ لكثرة وقوعها منه حتى صار وإياها كالشيء الواحد، على حد قول الخنساء:
تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ
 
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ
تصف الخنساء وحشية تطلب ولدها مقبلة ومدبرة، فجعلها إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما منها.
(٣٣٦الطرف — بفتح الطاء — العين، والجهد — بالضم — الطاقة، أما بالفتح فهو المشقة، وقيل هما لغتان: كالشهد والشهد، والأيدي: فاعل حمدته. يقول: إنه لا يجيل طرفه إلا على إحسان وإساءة، فله في كل طرفة ونظرة إحسان تحمده الأيدي جهدها؛ لأنه يملؤها بالعطاء، وذهب اليازجي إلى أن الطرف — بكسر الطاء — أي الفرس الكريم. قال: يقول المتنبي: إنه ما أجال فرسه في الحرب إلا ملأ أيدي أوليائه من الغنائم فحمدته جهدها، وضرب رقاب أعدائه فذمته …
(٣٣٧يقول: لا يقتل أعاديه ليستريح منهم؛ لأنه أمن جانبهم لعجزهم عن أذاه فلا يهمه بقاؤهم، ولكنه قد عود الذئاب أن يطعمها لحوم القتلى، فهو إنما هو يقتل الأعداء خشية أن يخلف رجاء الذئاب، وهو لم يتعود أن يخيب راجيًا، وهذا كقول مسلم:
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهَا
 
فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ فِي كُلِّ مُرْتَحَلِ
(٣٣٨يقول: إنه مهيب كل الهيبة، وجواد غاية في الجود، فإنه يهاب هيبة من لا يرجى العفو عنده، ويجود جود سمح كريم يرجى إحسانه ولا تخشى مهابته.
(٣٣٩الطعن الشزر: ما كان عن يمين وشمال، والعجاج: الغبار، والنقاب: ما تستر به المرأة وجهها. يصفه بالحذق في الطعن. يقول: إنه يصيب أحداق الفرسان والجو مظلم بغبار الحرب الذي كأنه نقاب للشمس يسترها، وهذا كقوله:
يَضَعُ السِّنَانَ بِحَيْثُ شَاءَ مُحَاوِلا
(٣٤٠يقول: إن يحمل نفسه على ركوب الأمر العظيم الهائل الذي لا خلاص لمن وقع فيه.
(٣٤١بأبي: تفدية. قال الواحدي: يريد أن ريحه أطيب من ريح النرجس «الذي بين يديه» وحديثه ألذ من الشراب، وليس هذا مما يمدح به الرجال؛ أي وإنما يخاطب بمثله المحبوب.
(٣٤٢برز: بذ وسبق، وسبقًا: مفعول مطلق، كأنه قال إن سبقت سبقًا، والعراب: الخيل العربية. يقول: ليس بمستنكر أن تسبق الناس وتبذهم؛ لأنك أهل ذلك، كما أن كرام الخيل لا تدفع عن السبق. هذا وكان الوجه أن يقال غير مدفوعة عن السبق العراب، كما تقول هند غير مصروفة، ولكنه ذكر ضرورة كأنه أراد العراب جنس غير مدفوع. قال ابن جني: كان يجوز له أن يقول غير هذا، ويقول: لا تدفع عن السبق العراب — بالتاء والياء — فأجرى غير مجرى لا، وأجرى مدفوع مجرى يدفع ضرورة، وقد يتزن البيت بأن يقول:
غَيْرُ مُدفُوعٍ عَنِ السَّبقِ العِراب
أقول: وأين قط لا يدفع عن سبق عراب من غير مدفوع عن السبق العراب؟ ولكنه النحو والنحويون.
هذا، وقد قال أبو حيان في تذكرته: إن هذا البيت في الإعراب نظير بيت أبي نواس:
غَيْر مَأَسُوفٍ على زَمَنٍ
 
يَنْقَضِي بِالْهَمِّ وَالحَزَنِ
قال ابن حيان: ﻓ «العراب» مرفوع بمدفوع، ومن جعله مبتدأ فقد أخطأ؛ لأنه يصير التقدير، العراب غير مدفوع عن السبق، والعراب جمع فلا أقل من أن يقول: غير مدفوعة؛ لأن خبر المبتدأ لا يتغير تذكيره وتأنيثه بتقديمه وتأخيره. وإليك آراء النحاة في إعراب غير، قال ابن هشام في «المغني»: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن غير مبتدأ لا خبر له بل لما أضيف إليه (لما: بكسر اللام وتخفيف الميم، أي بل للاسم الذي أضيف إليه غير مرفوع وهو على زمن؛ لأنه نائب فاعل مأسوف، والمضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد.) مرفوع يغني عن الخبر؛ وذلك لأنه في معنى النفي، والوصف بعده مخفوض لفظًا وهو في قوة المرفوع بالابتداء، فكأنه قيل: ما مأسوف على زمن ينقضي مصاحب للهم والحزن، فهو نظير: ما مضروب الزيدان، والنائب عن الفاعل الظرف، قاله ابن الشجري وتبعه ابن مالك. والثاني: أن غير خبر مقدم والأصل زمن ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، ثم قدمت غير وما بعدها، ثم حذف زمن دون صفته فعاد الضمير المجرور بعلى على غير مذكور فأتى بالاسم الظاهر مكانه، قاله ابن جني وتبعه ابن الحاجب. فإن قيل: فيه حذف الموصوف مع أن الصفة غير مفردة وهو في مثل هذا ممتنع. قلنا: في النثر، وهذا شعر فيجوز فيه، كقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
أي أنا ابن رجل جلا الأمور. وقوله:
تَرْمِي بِكَفَّيْ كانَ مِنْ أرْمِي البَشَرْ
أي بكفي رجل كان، والثالث: أنه خبر لمحذوف، ومأسوف مصدر جاء على مفعول كالمعسور والميسور والمراد به اسم الفاعل، والمعنى: أنا غير آسفٍ على زمن هذه صفته، قاله ابن الخشاب، وهو ظاهر التعسف.
(٣٤٣تشكَّى — بحذف إحدى التاءين — أي تتشكى، وإليه: متعلق بتشكَّى، والضمير في غيبته وفي إليه: للسحاب، والرشف: المص، وأصله أن تستقصي ما في الإناء حتى لا تدع فيه شيئًا، والرضاب: الريق. يريد بيان ما ذكره في البيت السابق من العجائب. يقول: إن الأرض بعطشها تشكو إلى السحاب غيبته عنها، وعند لقائه ترشف ماءه كما يرشف العاشق ريق المعشوق.
(٣٤٤يقول: إني إنما أتأمل في محاسنك لا في الشطرنج، وأنتصب جالسًا لأراك لا لأراه، والشطرنج فارسي معرب من شدرنج، ومعناه — كما قال العكبري — من اشتغل به ذهب عناؤه باطلًا، وكسر الشين فيه أجود؛ ليكون من باب جردحل: وهو الضخم من الإبل: هذا وقد قال ابن جني: إن هذه الأبيات لم أقرأها عليه، وشعره عندي أجود منها، وقال غيره هي مقروءة عليه بمصر وبغداد.
(٣٤٥يقول: إنني سأمضي وأغيب عنك ليلة واحدة، ثم أعود إليك.
(٣٤٦بكل معجزة؛ أي بكل مسألة يعجز الناس عن بيانها والإجابة عليها، فلو سئل عنها غيره أجبل «انقطع» قال العكبري: هذه أبيات رديئة عملها ارتجالًا في معانٍ ليست هناك.
(٣٤٧الضروب: الشكول والأصناف، وأشفهم: أفضلهم. يقول: شكول الناس على اختلافهم يحبون شكول المحبوبات على اختلافها، وأحقهم بأن يعذر في العشق والحب من كان محبوبه أفضل، وهذا كالتمهيد للبيت التالي. هذا، وقد ذهب بعض الشراح إلى أن ضروبًا؛ حال، كأنه قال: الناس عشاق مختلفين في عشقهم، ولكن الأجود أن يكون منصوبًا بوقوع الفعل عليه وهو العشق: أي ضروب الناس يعشقون ضروبًا.
(٣٤٨السكن: ما تسكن نفسك إليه وتهواه. يقول: فالذي أحبه أنا وتسكن إليه نفسي هو قتل أعدائي، فهل من زيارة لهذا الحبيب؟ أي هل أظفر بذلك وأتمكن منه حتى أشفي قلبي كما يشفي قلب المحب زورته الحبيب؟
(٣٤٩ترد؛ أي تردد: والصراصر: جمع صرصرة، وهو صوت النسر والبازي ونحوهما، والنعيب: صوت الغراب. يقول: هل من سبيل إلى وقعة تكثر فيها القتلى فيجتمع عليها الطير فيصرصر النسر وينعب الغراب؟ جعل صياح الطيور المجتمعة على القتلى كأنه حديث يتحدثن به.
(٣٥٠وقد لبست؛ أي الطير، وعليهم: متعلق بحدادًا، والحداد: الثياب السود تلبس عند المصيبة، والجيوب: جمع جيب، وهو طوق القميص، وعند العامة: كيس يخاط في جانب الثوب من الداخل ويجعل فمه من الخارج. يقول: إن هذه الطير تغوص في دماء القتلى فتتلطخ بها، وتجف عليها فتسود وتصير كأنها ثياب حداد على القتلى. بيد أنها لم تشق على هؤلاء القتلى جيوبًا كما تفعل ربات الحداد. هذا، وقد روي: دماؤهم — بالرفع — فيكون المعنى أن الدماء اسودت على القتلى، فكأنما لبست ثوبًا غير ما كانت تلبس من الحمرة.
(٣٥١الكعوب: جمع كعب، وهو ما بين الأنبوبتين من القناة. يقول: لم نزل نطعنهم حتى كسرنا كعوب الرماح فيهم فاختلطت في أبدانهم بعظامهم.
(٣٥٢القحوف: جمع قحف — بكسر القاف — وهو العظم الذي فوق الدماغ؛ والجمجمة: العظم الذي فيه الدماغ، والتريب: عظم الصدر، والجمع: الترائب: موضع القلادة من الصدر. يقول: كأن خيلنا كانت في صغرها تسقى اللبن في أقحاف رءوسهم فألفتهم حتى صارت تدوس جماجمهم وصدورهم ونحن عليها لا تنفر منهم … وقد جرت عادة العرب أن تسقي اللبن كرام خيولها.
(٣٥٣القحوف: جمع قحف — بكسر القاف — وهو العظم الذي فوق الدماغ؛ والجمجمة: العظم الذي فيه الدماغ، والتريب: عظم الصدر، والجمع: الترائب: موضع القلادة من الصدر. يقول: كأن خيلنا كانت في صغرها تسقى اللبن في أقحاف رءوسهم فألفتهم حتى صارت تدوس جماجمهم وصدورهم ونحن عليها لا تنفر منهم … وقد جرت عادة العرب أن تسقي اللبن كرام خيولها.
(٣٥٤الشوى من الخيل: قوائمها. يقال: فرس عبل الشوى، والشوى من الآدميين: اليدان والرجلان، وقيل: اليدان والرجلان والرأس، وكل ما ليس مقتلًا، ومن هذا قولهم: رماه فأشواه؛ أي أصاب شواه، ولم يصب مقتله، قال الهذلي:
فَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ الَّتِي لَا شَوَى لَهَا
 
إِذَا زَلَّ عَنْ ظَهْرِ اللِّسَانِ انْفِلَاتُهَا
أي إن من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل.
وقال الفراء في قوله تعالى: كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ: الشوى اليدان والرجلان وأطراف الأصابع وقحف الرأس، ويقال لجلدة الرأس شواة، وقد توسعوا في الشوى فاستعملوه في كل من أخطأ غرضًا وإن لم يكن له شوى ولا مقتل، وقد رويت خُضبت — بالبناء للمعلوم، والضمير للخيل — يقول: إن هذه الخيل يقدمها إلى الحرب — وقد خضبت قوائمها بالدم — فتى قد طال تمرسه بالحروب — يعني نفسه — فكلما فرغ من حرب، خاض حربًا أخرى.
(٣٥٥الخنزوانة في الأصل: ذبابة تطير في أنف البعير فيشمخ لها بأنفه، واستعيرت للكبر، وتنمر: صار كالنمر غضبًا، وقوله أصاب؛ أي أأصاب — بهمزة التسوية — يقول: إذا غضب على أعدائه وقاتلهم لا يبالي أقتلهم أم قتلوه.
(٣٥٦الهمزة في أعزمي: للنداء، ويفرق: يخاف، ويئوب: يرجع. يقول — مخاطبًا عزمه: انظر يا عزمي هل علم الصبح بما أنا عازم عليه من الاقتحام فتأخر خشية أن يصاب في جملة أعدائي؟ وعبارة ابن فورجه: أراد: لعظم ما عزمت عليه ولشدة ما أنا عليه من الأمر الذي قمت به، كأن الصبح يفرق من عزمي، ويخشى أن يصيبه بمكروه، فهو يتأخر ولا يئوب.
(٣٥٧الحب: المحبوب، ويراعي: يراقب وينتظر، والدجنة الظلمة، والدجنة من الغيم المطبق تطبيقًا والريان المظلم الذي ليس فيه مطر، يقال: يوم دجن ويوم دجنة — وكذلك الليلة على وجهين بالوصف والإضافة — والدجنة: الظلمة جمعها دجن ودجنات، والداجنة: المطرة المطبقة نحو: الديمة، والضمير في دجنته: لليل. شبه الفجر بحبيب قد طلب إليه زيارة محبه وهو يراعي من ظلمة الليل رقيبًا فتتأخر زيارته خوف الرقيب — يريد طول الليل، وأن الفجر ليس يطلع، فكأنه حبيب يخاف رقيبًا.
(٣٥٨الجبوب: وجه الأرض ومتنها، من سهل أو حزن أو جبل، وقيل: الأرض الغليظة، وقيل: الأرض الغليظة من الصخر لا من الطين، ولا يجمع، والحلي: ما تزين به من الذهب والفضة وغيرهما، وجمعها حلي: مثل ثدي وثدي، وقد تكسر الحاء لمكان الياء مثل عصى. قال الفارسي: وقد يجوز أن يكون الحلي جمعًا وتكون الواحدة حلية كهدية وهدي، وحذيت قوائمه الجبوب؛ أي جعل الجبوب حذاء لقوائمه. يقول: كأن النجوم حلي على الليل فليست تفارقه، وكأن الأرض قد جعلت حذاء له فلا يستطيع أن يمشي؛ لثقل الأرض على قوائمه.
(٣٥٩الشحوب: تغير اللون من هزال ونحوه، والضمير من سواده لليل، ومن فيه: للجو. يقول: كأن الجو كابد ما أكابد من طول الوجد فاسود لون الليل وصار سواده شحوبًا؛ أي كأن الليل اسود؛ لأنه دفع إلى ما دفعت إليه فصار السواد بمنزلة الشحوب.
(٣٦٠الدجى: جمع دجية، وهي الظلمة، والسهاد: السهر. يقول: إن سهاده يطول والليل يطول معه، فكأن سهاده يجذب ظلمة الليل، فهي لا تنقضي إلا بانقضائه، وسهاده لا ينقضي، وكذلك ظلمة الليل.
(٣٦١يقول: إني أقلب أجفاني في ذلك الليل، ولكثرة تقليبي إياها كأني أعد على الدهر ذنوبه، فكما أن ذنوب الدهر كثيرة متوافرة لا تكاد تفنى. كذلك تقليبي أجفاني كثير لا يفنى، فلا نوم هناك، ولك أن تقول: أقلب أجفاني في ذلك الليل وأنا أرعى نجومه كأني أعد بها ذنوب الدهر التي هي مثلها في العدد، وهذا المعنى ينظر إلى قول ديك الجن:
أَنَا أُحْصِي فِيكَ النُّجُومَ وَلَكِنْ
 
لِذُنُوبِ الزَّمَانِ لَسْتُ بِمُحْصٍ
(٣٦٢بلحظ حسادي؛ أي بلحظي حسادي، يقول: ليس ليلي وإن طال بأطول من نهار يشوبه — أي يخالطه — أن أنظر فيه إلى حسادي وأعدائي.
(٣٦٣يقول: إذا كان لحسادي نصيب معي في الحياة وشاركوني فيها وعاشوا كما أعيش فليس الموت بأبغض إليَّ من تلك الحياة؛ أي إنه لا تحلو له الحياة حتى يقتل حساده.
(٣٦٤الحدثان: حوادث الدهر ونوبه، ويقال: انتسب الرجل إلى فلان: إذا نسب نفسه إليه، والنقيب: الخبير بأحوال القوم وأنسابهم. يقول: لكثرة ما أصابني من نوائب الدهر صرت عارفًا بها حتى لو كان لها أنساب لكنت أنا نقيبها.
(٣٦٥يقول: لما أعوزتنا الإبل وفقدناها لقلة ذات اليد أدتني المحن والشدائد إلى الممدوح، فكأنها كانت مطايا ركبناها إليه.
(٣٦٦رتعت الإبل: رعت في بحبوحة وخصب، والجدب: ضد الخصب، ومكان جديب: لا نبات فيه. يقول: إن الخطوب مطايا لا يبغي أحد ركوبها، وهي لا ترعى نبات الأرض، إنما ترعانا وتنال منا. فما فارقتها عند وصولي إليك إلا جديبا؛ لأنها رعتني وأتت عليَّ فلم تترك مني شيئًا.
(٣٦٧رتعت الإبل: رعت في بحبوحة وخصب، والجدب: ضد الخصب، ومكان جديب: لا نبات فيه. يقول: إن الخطوب مطايا لا يبغي أحد ركوبها، وهي لا ترعى نبات الأرض، إنما ترعانا وتنال منا. فما فارقتها عند وصولي إليك إلا جديبا؛ لأنها رعتني وأتت عليَّ فلم تترك مني شيئًا.
(٣٦٨الشيمة: الخلق، وتقول: شعفتني حبًّا وشغفتني، والمعنى تيمتني وبلغت مني، وشغفتني: من شغاف القلب، وهو غلافه، أو سويداؤه، والنسيب: التشبيب بالنساء في الشعر. يقول: إن أخلاق الممدوح شغفتني بحسنها. فلولا مهابته واحتشامه لتغزلت بها كما يتغزل العاشق بمعشوقه.
(٣٦٩الضمير في هواها: للشيمة، والرشأ: ولد الظبية إذا تحرك ومشى، والربيب: المربى. يقول: إن كل نفس تعشق أخلاقه كما أعشقها أنا. فهي محبوبة إلى كل إنسان، وإن لم يكن بينها وبين الرشأ شبه؛ لأنها من الرجولة والفضل بحيث تسمو عن شبهها بالظباء التي تشبه بها الحسان.
(٣٧٠عجيب: خبر مبتدأ محذوف يعود إلى الممدوح، وعجيبًا: خبر ما العاملة عمل ليس. يقول: هو عجيب في الزمان، وليس ما يأتي من آل سيار عجيبًا؛ لأنهم الغاية في المجد والكرم.
(٣٧١وليس شيخًا … إلخ؛ أي ليس كل من بلغ المشيب يسمى شيخًا؛ فشيخًا: مفعول ثانٍ مقدم ليسمى، وكل: يجوز أن يكون اسم ليس، أو نائب فاعل يسمى على طريق التنازع. يقول: هو مع أنه شاب؛ في حنكة الشيوخ وجودة رأيهم ورجحان ألبابهم، ورب إنسان غيره بلغ المشيب، ولكنه لا يستحق أن يسمى شيخًا؛ لتخلفه ونقصه.
(٣٧٢قوله من قواه: يروى من يديه. يقول: قسا قلبه في الحروب حتى لتخاف الأسد بطشه وسطوته، وهو مع ذلك في مجلسه قد رق طبعًا وكرمًا حتى لنخاف أن يذوب، ويقال فلان يذوب ظرفًا: إذا لان جانبه، واحلولت شيمته.
(٣٧٣الهوج: جمع هوجاء: وهي الشديدة العصف في حمق وطيش، والبطش: الأخذ بقوة، والندى: الجود: بطشًا وهبوبًا: نصبا على التمييز، وقال آخرون: هما مصدران وقعا موقع الحال. يقول: هو لدى الوغى أشد بطشًا من هوج الرياح، ولدى الجود أسرع منها في العطاء.
(٣٧٤الغرض: الهدف يرمى بالسهام. يقول: إن الناس يقولون: إنه أرمى من رأيناه يرمي السهام، فقلت: إنكم رأيتموه وهو يرمي الغرض القريب منه. فكيف لو رأيتموه يرمي الغرض البعيد؟
(٣٧٥الرمايا: جمع رمية، اسم لكل ما يرمى بالسهم من غرض أو صيد. يقول: إنه صائب الفكرة فهو يرمي المغيبات بسهام ظنه فيصيبها لثقوب فكره، فكيف لا يصيب المحسات بسهامه؟
(٣٧٦الكنانة: الجعبة التي توضع فيها السهام، ونكبت: قلبت على رأسها لينثر ما فيها، واستبنا: تبينا ورأينا: والندوب في الأصل: آثار الجروح؛ والمراد هنا مطلق الأثر، والأفواق؛ جمع فوق، وهو موضع الوتر من السهم، يقول: إذا نثرت كنانته وأفرغ ما فيها من السهام رأينا لنصوله آثارًا في نصوله لسرعة رميه، ورميه إياها على طريقة واحدة حتى يدرك بعضها بعضًا من غير أن يميل عنه، ويصيب اللاحق منها فوق السابق، فلولا أن ينكسر النصل بالفوق؛ لاتصل بعضها ببعض، وصارت مستوية كالقضيب، وكان الوجه أن يقول: بأفوقها لأنصلها ندوبًا بدليل البيت الثاني، ولأن النصال إذ ذاك لا تتقابل، اللهم إلا إذا كان يريد بالأنصل: السهام، لا الحديد بخصوصه.
(٣٧٧الكنانة: الجعبة التي توضع فيها السهام، ونكبت: قلبت على رأسها لينثر ما فيها، واستبنا: تبينا ورأينا: والندوب في الأصل: آثار الجروح؛ والمراد هنا مطلق الأثر، والأفواق؛ جمع فوق، وهو موضع الوتر من السهم، يقول: إذا نثرت كنانته وأفرغ ما فيها من السهام رأينا لنصوله آثارًا في نصوله لسرعة رميه، ورميه إياها على طريقة واحدة حتى يدرك بعضها بعضًا من غير أن يميل عنه، ويصيب اللاحق منها فوق السابق، فلولا أن ينكسر النصل بالفوق؛ لاتصل بعضها ببعض، وصارت مستوية كالقضيب، وكان الوجه أن يقول: بأفوقها لأنصلها ندوبًا بدليل البيت الثاني، ولأن النصال إذ ذاك لا تتقابل، اللهم إلا إذا كان يريد بالأنصل: السهام، لا الحديد بخصوصه.
(٣٧٨بكل مقوم: بدل من قوله ببعضها؛ أي يصيب بكل سهم هذه صفته. يقول: إن سهمه يتجه كيف شاء، فكأنه عاقل يأمره فيطيع.
(٣٧٩النزع: جذب الوتر للرمي، وضمير منه: للسهم، والرمي المرمى، فهو فعيل بمعنى مفعول، والهدف: بدل من رميه. يقول: إذا جذب الوتر ورمى السهم رأيت منه نارًا بين القوس والهدف، وذلك أن حفيف السهم في سرعة مروره يشبه حفيف النار في التهابها، والعرب إذا وصفت شيئًا بالسرعة شبهته بالنار، ومنه قول العجاج يصف سرعة مشي الحمار والأتان:
كَأَنَّمَا يَسْتَضْرِمَانِ الْعَرْفَجَا
(العرفج شجر معروف سريع الاشتعال بالنار، ولهبه شديد الحمرة، ويبالغ بحمرته فيقال: كأن لحيته ضرام عرفجة.)
(٣٨٠الأولى بمعنى الذين: والاستفهام للتقرير أي أَنت ابن أولئك، وسعدوا؛ من السعادة، والنجيب: الكريم.
(٣٨١يقول: وأنت ابن الذين أدركوا بحزمهم ما طلبوا في رفق وأناة وتؤدة، فأدركوا الصعب البعيد بأهون سبب، ودُون جهد ونصب، وجعل الوحش مثلًا للمطلوب البعيد، ودبيب النمل مثلًا لرفقهم ولطف تأنيهم.
(٣٨٢يقول: إن الطيب الذي يتضوع من الرياض ليس لها في الحقيقة، ولكنه شيء أفادته من دفن آبائه في التراب، وهذا من قول أبي تمام:
أَرَادُوا لِيُخْفُوا قَبْرَهُ عَنْ عَدُوِّهِ
 
فَطِيبُ تُرَابِ الْقَبْرِ دَلَّ عَلَى الْقَبْرِ
(٣٨٣الضمير في زمانه: للمجد، والقشيب: الجديد، قال ابن جني: معناه أن روح المجد انتقل إليه فصار هو المجد مبالغة، وقال غيره: إن روح مجد آبائه انبعثت فيه فعاد إلى عالم

ليست هناك تعليقات: