5- الدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره هو الإسلام:
والدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره، هو الإسلام ومعناه الاستسلام لله بتصديق خبره وتنفيذ أمره. قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}، وقال جل وعلا: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}..
والإسلام هو الدين الذي رضيه الله لعباده {ورضيت لكم الإسلام دينا} وهو دين ملائكته وكل طائع له طوعاً من خلقه. قال تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون}، ودين السماوات والأرض. قال تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين}!!
وأما من لم يطعه طوعاً من خلقه فكرهاً: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون}.
6- تكذيب الخبر كفر، ورد الأمر كفر:
ومن رد خبر الله سبحانه وتعالى، أو كذب بشيء من الغيب الذي قصه علينا فقد كفر، وكذلك من رد أمر الله سبحانه وتعالى وأبى أن يطيعه استكباراً وعناداً فقد كفر.
والمعصية الأولى التي عصى بها إبليس ربه كانت من النوع الثاني أعنى أنها رد الأمر، فإن الله قد أمره بالسجود لآدم فقال: {لم أكن لأسجد لمن خلقت طيناً}، ولم يكن إبليس -لعنه الله- مكـذباً بشيء من أخبـار الله. وإنما انحصرت معصيته في رد الأمر الإلهي كبراً وعلواً عندما ظن أن هذا الأمر يخالف الحكمة إذ زعم أن الفاضل لا يسجد للمفضول، وقد رأى نفسه، وقد خلق من النار أفضل من آدم المخلوق من الطين. وقياس إبليس قياس فاسد.
ولما أصر إبليس على معصيته كان جزاؤه أن لعنه الله أبداً وطرده من رحمته سرمداً.
فمعصية إبليس إذن كانت إباءاً ورداً للأمر الإلهي، ومن أجل ذلك كفر إبليس، ولعن وطرد من رحمة الله.
وأما المعصية الثانية التي عصى بها الله سبحانه وتعالى، فقد وقعت من آدم عليه السلام، ولما لم تكن عنـاداً، وإنما كانت ضعفاً ونسياناً كما قال تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً} ثم إن آدم لم يصر عليها، بل سارع إلى الفرار منها والاعتذار عنها قال تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين* قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.
فلما اعترف آدم وزوجه بالخطيئة، وسارعا إلى التوبة والإنابة، فإن الله سبحانه قبل عذره، وأقال عثرته.
والناظر في معصية آدم يجد أن هذه المعصية قد كانت مخالفة للأمر الإلهي فقط، فإن الأكل من شجرة في الجنة ليس إثماً في ذاته، لولا أنه معصية لله الذي أمره ألا يأكل من هذه الشجرة.
7- العبودية لله هي طاعة الأمر فيما عقل معناه، وما لم يعقل معناه:
والعبـودية لله إنما هي في طاعة أمره أيا كان هذا الأمر في صغير أو كبير. فيما يوافق معقول المأمـور، أو يخالف معقوله. فإن الرب الإله سبحانه وتعالى هو أعلم بما يأمر به وينهى عنه، والعبد لا يكون عبداً على الحقيقة إلا إذا أطاع معبوده دون تردد أو توقف أو نظر أو سؤال؛ لم أمر بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولو كان العبد لا يطيـع إلا فيما عقل وفهم لكانت طاعته لمعقوله ومفهومه وليس لخالقه وإلهه ومولاه..
فإن الإنسان يطيع عقله، وقلبه في أشق الأمور على نفسه وبدنه، بل قد يركب الصعب والذلول في تنفيذ ما يأمره به سلطان العقل، أو سلطان القلب والهوى...
ولو كانت طاعة الله تابعة لسلطان العقل والقلب والهوى لكان المعبود حقاً هو العقل والقلب والهوى وليس الله سبحانه وتعالى...
بل العبودية أن يطيع العبد ربه فيما يخالف سلطان عقله وقلبه وهواه.
بل إن الدين قائم على مخالفة ما تهواه النفوس، وما يخالف رأي الإنسان ومعقوله أحياناً وهذا هو معنى التعبد لله... ولا يمنع أن يكون في الدِّين ما يوافق معقول الإنسان ونظره، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتعبد عباده بما يحكم به هو سبحانه وتعالى، لا بما يرونه بأنفسهم أو يعقلوه بعقولهم، أو تهواه أنفسهم.
8- إبراهيم عليه السلام هو الإمام والمثال والقدوة والأسوة في المسارعة إلى تنفيذ أمر الله سبحانه:
هـذا نبي الله إبراهيم جعله الله إماماً للناس جميعاً، وجعل النبوة في ذريته دون سائر البشر، ولم يصل إبراهيـم عليه السلام إلى ما وصل إليه من إمامة الدين إلا أنه أُمِرَ بأوامر إلهية تخالف معقول البشر فنفذها إبراهيم عليه السلام على النحو الذي أمره الله بها تماماً. قال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم رَبُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً}، وكان مما أمر به مما يخالف معقول البشر أن يلقي زوجته هاجر وابنها إسماعيل في أرض مقفرة موحشة لا إنس فيـها ولا شيء وهي أرض مكة، وليس معهم أحد على الإطلاق وليس لهم من الزاد إلا جراب تمر، وقربة ماء... ثم كر عائداً وحده إلى بلاد الشام.
وهـذا الأمر الإلهي لإبراهيم عليه السلام يخالف معقول البشر فإن أحداً لو فعل ذلك من عند نفسه لكان فعله جريمة وإثماً!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق