روح حضارة الإسلام التي وصفها مالك بن نبي رحمه الله بحضارة الأفكار مقارنة بحضارة الغرب التي وصفها بحضارة الأشياء, وذلك عندما قارن بين قصة حي بن يقظان وقصة روبنسن كروزو, فاشتغل حي بن يقظان على التساؤل والتفكر بينما عمل روبنسن كروزو على بناء كوخ وصنع طاولة.. إلخ؛ وربما لو قُدِّر لمالك أن يبقى حياً إلى الآن ويرى الخواء الذي يعشّش في عقول بعض الشباب العربي لما وجد كبير فرق بين الحضارتين العربية والغربية, هذا إذا لم يجد أننا لا نستحق بوضعنا الحالي اسم "حضارة" بسبب ما نحن فيه من تطفّل على موائد الآخرين.
دور المدرسة في تأسيس قيم الاستهلاك والشراء ليس بأقلّ من دور الأسرة, فالدفاتر يجب أن تبدّل كل فصل دراسي مع أن بعضها – أو أغلبها – لم يستعمل منه إلا القليل, والكتب تُرمى في حاويات الزبالة أمام المدرسة بمجرد أن ينتهي الامتحان دون أن يتعلّم الجيل المحافظة على الكتاب ودون أن يتذكّر بأن هناك من يتمنى صفحة واحدة ليقرأها, ناهيك عن حفلات التخرج التي لم تعد تقام بالمدارس بل في الفنادق وصالات الأفراح, خاصة بالنسبة للبنات, كأن خريجة المرحلة الثانوية قد أتت بما لم يستطعه الأوائل؛ أما الأنكى من ذلك فهو ما تقوم به بعض المدارس العالمية من تقليد كثير من العادات الغربية, فتخصّص مثلا يوماً اسمه يوم البيجاما يفرض فيه على التلميذ أن يأتي إلى المدرسة بثياب النوم, ويتنافس الأولاد – والبنات – في هذا "الاختراع" العجيب الذي اسمه البيجاما, فإذا كان الغربيون - الأمريكيون تحديداً – يعملون من الحبة قبة كما يقول المثل فيحتفلون بعيد الهالووين والديك الرومي وغير ذلك, وقد يكون مقصدهم إحياء التجمع الأسري والتضافر الاجتماعي, فما بالنا نحن نقلدهم بيوم للبيجاما ولا نحتفل بيوم الأم ولا بيوم للمعلم ولا حتى بالمرور على عيد المولد النبوي ولو بمجرد التذكير بشيء من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وشمائله؟
حدِّث ولا حرج عن الإعلانات وحيلها المتلاعبة بعواطف الناس خصوصاً غير الناضجين منهم, وللإعلام المرئي سلطة فائقة على جذب المشاهد للسلعة المعروضة وذلك عبر تشابك آليات الصوت والصورة من أجل التأثير على أكبر عدد ممكن من المشاهدين, ولكن صور الإعلان المبثوثة في كل مكان ليست بأقل تأثيراً رغم خلوّها من الصوت والحركة, فالتكرار يجمّل فكرة الحصول على المنتج بطريقة لاشعورية, لاسيما عندما تكون الصور فيها حبكة لغز, ومن المعلوم أن الإعلان يجب أن يثير تساؤلا في نفس الإنسان عن هذا المنتج, على سبيل المثال: في فترة قريبة ماضية امتلأت الشوارع بصورة مراهق يدخل يده في علبة – أو شيء مشابه للعلبة – وفوق رأسه جملة تقول: أبغاها كلها, وبشكل عادي فإن أي فرد سوف يتساءل: ما هي "هذه" التي يريدها؟ وأما الناس الأكثر نضجاً فسوف ينتبهون للرسالة المتضمنة في الإعلان والتي توحي بأن هذا المراهق مدفوع وراء رغباته حتى الثمالة, أفليست هذه الصورة تشجّع المراهقين الآخرين على أن يكونوا مثل صاحب الصورة المصمّم على أن ينال كل ما يريد, خاصة مع حركة اليد الداخلة بكل قوة في الأسفل والتي توحي بأن غريزة النهم والطمع ستكون نمطاً حياتيا فردياً ونسقاً اجتماعياً ثقافياً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق