الخميس، 9 مايو 2013

المصالح

إتيان المفاسد ظنا أنها من المصالح 

من أتى ما هو مصلحة في ظنه وهو مفسدة في نفس الأمر كمن أكل مالا يعتقده لنفسه ، أو وطئ جاريته يظن أنها في ملكه ، أو لبس ثوبا يعتقده لنفسه ، أو سكن دارا يعتقدها في ملكه ، أو استخدم عبدا يعتقده لنفسه ، ثم بان أن وكيله أخرج ذلك عن ملكه فلا إثم عليه لظنه ، ولا يتصف فعله بكونه طاعة ولا معصية ولا مباحا ، وإنما هو معفو عنه كأفعال الصبيان والمجانين ، ويلزم ضمان ما فوته من ذلك لأنه جائز ، والجوائز لا تتوقف على المآثم . 

جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح ، ودرئه لأقبح المفاسد ، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه ، ومصالحه ضربان : أحدهما عاجلة وهي إجراء أحكام الإسلام ، وصيانة النفوس والأموال والحرم والأطفال . 

والثاني : آجلة وهو خلود الجنان ورضاء الرحمن . وجعل الجهاد تلو الإيمان ، لأنه ليس بشريف في نفسه ، وإنما وجب وجوب الوسائل - وفوائده ضربان أحدهما مصالحه ، وهي منقسمة إلى العاجل والآجل فأما مصالحه العاجلة فإعزاز الدين ، ومحق الكافرين ، وشفاء صدور المؤمنين من اغتنام أموالهم وتخميسها ، وإرقاق نسائهم وأطفالهم . 

وأما مصالح الآجلة فالأجر العظيم قال الله تعالى : { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف ص:55 ] نؤتيه أجرا عظيما ، فجعل الأجر العظيم للقتلى والغالبين ، والغالب أفضل من القتيل ، لأنه حصل مقاصد الجهاد ، وليس القتيل مثابا على القتل لأنه ليس من فعله ، وإنما يثاب على تعرضه للقتل في نصرة الدين . 

الضرب الثاني : من فوائد الجهاد درؤه لمفاسد عاجلة وآجلة ، أما الآجلة فلأنه سبب لغفران الذنوب ، والغفران دافع لمفاسد العقاب . 

وأما العاجلة فإنه يدرأ الكفر من صدور الكافرين إن قتلوا أو أسلموا خوفا من القتل ، وكذلك يدرأ استيلاء الكفار على قتل المسلمين وأخذ أموالهم وإرقاق حرمهم وأطفالهم ، وانتهاك حرمة الدين . وجعل الحج في الرتبة الثالثة لانحطاط مصالحه عن مصالح الجهاد وهو أيضا يجلب المصالح ويدرأ المفاسد . 

أما جلبه للمصالح فلأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وأما درؤه للمفاسد فإنه يدرأ العقوبات بغفران الذنوب . قال صلى الله عليه وسلم : { من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، ولا تزال رتب المصالح الواجبة التحصيل تتناقض إلى رتبة لو تناقضت لانتهينا إلى رتب المصالح المندوبات . 

وكذلك تتفاوت رتب فرض الكفاية فيما تجلبه من مصلحة أو تدرؤه من مفسدة ، فقتال الدفع أفضل من قتال الطلب ، ودفع الصوال عن الأرواح والأبضاع أفضل من درئهم عن المنافع والأموال . 

وكذلك تتفاوت رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفاوت رتب المأمور به في المصالح والمنهي عنه في المفاسد 

الضرب الثاني : من رتب المصالح : ما ندب الله عباده إليه إصلاحا لهم ، وأعلى رتب مصالح الندب دون أدنى رتب مصالح الواجب ، وتتفاوت إلى أن تنتهي إلى مصلحة يسيرة لو فاتت لصادفنا مصالح المباح . 

وكذلك مندوب الكفاية يتفاوت بتفاوت رتب مصالحه وفضائله . 

ليست هناك تعليقات: